شارك المقال
  • تم النسخ

الذكاء الإصطناعي والمخاطر الأمنية الجديدة

بعدما أصبح العالم الافتراضي الأساس المعتمد في جميع جوانب الحياة، لا سيما كبنية تحتية لتبادل وحفظ وتخزين المعلومات والبيانات في سرية تامة وبأحجام كبيرة، خاصة ضمن أعمال حكومات وأجهزة الدول، إلا أن هذه المساحة التقنية تحولت إلى ميدان حرب تُستهدف فيها هيئات استراتيجية مثل الجيوش العسكرية والمصارف والشركات العالمية العملاقة، لدوافع غالبًا ما تكون سياسية واقتصادية وبأهداف تخريبية.
من هنا، يمكن القول إن المستقبل يتجه نحو هذا النوع من التقنيات، مدنية كانت أم عسكرية، الذي تزداد الحاجة إليه يوماً بعد يوم وهو ما يعد من أبرز تحديات المستقبل في ظل عالم يشهد الكثير من التطور في قطاع الإتصالات مما يزيد في المقابل، جملة من التحديات.
من المؤكد أنه من بين أهم القضايا التي باتت تشغل العالم في حاضرات أيامنا تأتي قضية العالم الافتراضي والفضاء السيبراني، ذاك الذي أضحى واقعا موازيا للعالم الحقيقي، بل لا نغالي إن قلنا أنه في بعض الأوقات يكون خطره أكثر دموية ، لا سيما وأن صداماته تجري بعيدا عن الأعين، وإن كانت لا تغيب بالطبع عن القائمين عليه من خبراء متمرسين وراء الشاشات، في محاولة للتأثير على مجريات العالم السياسية والاقتصادية من جهة، والمعطيات الأمنية والعسكرية من جهة ثانية، ومرد هذا وذاك أن جزءا كبيرا من الصراعات بين القوى العظمى في العالم، قد انتقلت من ميادين القتال الكلاسيكية إلى شبكات الإنترنت والعالم الرقمي.
لا شكّ أن البشريّة على أبواب ثورة جديدة ستغيِّر شكل حياة البشر، ثورة عمادها الذكاء الاصطناعي، وتُعَدّ ثورة شاملة على مُختلف المستويات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والأمنيّة وغيرها، لأنّ تطبيقات الذكاء الاصطناعي تتفرَّع وتتزايَد بصورة لا يُمكن استيعابها وحصْرها؛ فهي تكاد تدخل في المجالات الإنسانيّة كافّة.
ويُعرَّف الذكاء الاصطناعي على أنّه أحد فروع علوم الكمبيوتر المَعنيَّة بكيفيّة مُحاكاة الآلات لسلوك البشر. وقد قام جون مكارثي بوضْع المُصطلَح (الذكاء الاصطناعي) في العام 1956، مُعرِّفا إيّاه بأنّه عِلم هندسة إنشاء آلات ذكيّة، وبصورة خاصّة برامج الكمبيوتر؛ فهو عِلم إنشاء أجهزة وبرامج كمبيوتر قادرة على التفكير بالطريقة نفسها التي يعمل بها الدماغ البشري، وتتعلَّم مثلما نتعلَّم، وتُقرِّر كما نُقرِّر، وتتصرَّف كما نتصرَّف.
ولمّا كان الذكاء الاصطناعي عبارة عن أنظمة كمبيوتر تُحاكي الإنسان أو البشر في تصرفاتهم، فهذا لا يعنى أنّ أي قطعة برمجية تعمل من خلال خوارزميّة مُعيّنة، وتقوم بمَهامٍّ مُحدَّدة يُمكن اعتبارها ذكاء اصطناعيّا. ومن أجل أن نُطلق هذا المُصطلح على نظام كمبيوتر، يجب أن يكون قادرا على التعلُّم، وجمْع البيانات وتحليلها، واتّخاذ قرارات بناءً على عمليّة التحليل هذه، بصورة تُحاكي طريقة تفكير الإنسان.
قام الجدلُ حول الثورة التي سيُحدثها الذكاء الاصطناعي، ولاسيّما أنّ هذه الثورة أكبر من قدرة البشر على استيعابها حاليّا.
وقد انقسمت آراء الخبراء حول الذكاء الاصطناعي إلى قسمَين رئيسَين: قسم رأى أنّه يُحسِّن حياة الأفراد ويَجعلها أكثر سهولة، كما صرَّح «مارك زوكربيرغ» رئيس ومؤسِّس مَوقع الفيس بوك.
أمّا القسم الآخر فعبَّر عن مَخاوفه من التداعيات السلبيّة للذكاء الاصطناعي على حياة البشر، وغالى أصحاب هذا الرأي في تشاؤمهم إلى حد الذى جعل رئيس ومؤسِّس شركات «نسلا وسباس أكس» و«أيلون موسك» يتنبّأ بأنّه سيؤدّي في نهاية الأمر إلى نشوب حربٍ عالَميّة؛ في حين ذهبَ عالِم الفيزياء الكبير «ستيفن هوكينغ» إلى القول إنّ تطوير ذكاءٍ اصطناعي كامل قد يُمهِّد لنهاية الجنس البشري، ما يعنى بحسب هذين الموقفَين المتناقضَين: إمّا سعادة البشريّة أو دمارها.
إذ يُمكن للهجمات السبيرانيّة أن تخترِق نُظم الذكاء الاصطناعي العسكريّة، بحيث يُمكن للجهة المُهاجِمة في بعض الأحيان أن تُسيطِر على أحد الروبوتات العسكريّة، وإعادة توجيهها، ما يُلحق الأضرار بالأفراد أو بالمُنشآت التي ليست فى دائرة الاستهداف أساسا.
برزَ توجّهٌ لدى الأجهزة الأمنيّة في الدول الغربيّة للاعتماد على نُظُم الذكاء الاصطناعي في رصْد التهديدات التي تُواجِه الأمن القومي للدولة وتحديده، والتنبّؤ كذلك بالتطوّرات التي يُمكن أن تحدث حول العالَم مثل الثورات أو الاضطّرابات الاجتماعيّة. لكنْ، فى حال نجاح الدولة المُعادية فى تحديد كيفيّة عمل هذه الأجهزة، فإنّه يسهل عليها بالتالي خداعها من خلال نشْر أخبار كاذبة، لتضليلها وقيادتها إلى استنتاجات خاطئة.
يفتح الحديث عن الأمن السيبراني ملفا من الملفات التي تقض مضاجع أجهزة الامن والاستخبارات حول العالم في الأعوام الأخيرة، لا سيما بعد أن تحول الإرهاب من مجرد عمليات عشوائية ترتكز في لوجستياتها على العنصر البشري في تحركاته إلى عالم السايبر الفضائي الذي لا يمكن التحكم في أبعاده، ويزداد الأمر هولا حين يدرك الناظر لمشهد الجماعات الإرهابية انضواء عدد من الخبراء وأصحاب الشهادات العلمية المتقدمة ضمن صفوفهم، ومن بينهم من هم متمرسون في التعامل مع العالم الرقمي.
يمكن أن تؤدي قدرة التقنيات التي يحركها الذكاء الاصطناعي على التأثير على أعداد كبيرة من السكان إلى الاحتمال الحقيقي للغاية لخلق سباق سيبراني.
يمكن للدول القوية ومنصات التقنية الكبيرة من الدخول في منافسة مفتوحة على بياناتنا الجماعية كوقود لتوليد التفوق الاقتصادي والطبي والأمني.
من المرجح بشكل متزايد أن تظهر أشكال “الاستعمار السيبراني”، لأن الدول القوية قادرة على تسخير الذكاء الاصطناعي والتقنية الحيوية لفهم سكان البلدان الأخرى والنظم الإيكولوجية الخاصة بها والتحكم فيها.
هذه الأشكال من الذكاء الحيوي هي ميزة استراتيجية في ترسانة الأمن في أي دولة وسوف تؤدي إلى تطورات متزايدة في طليعة البحوث العسكرية.
تشير عودة الأجندات القومية في جميع أنحاء العالم إلى تراجع قدرة النظام المتعدد الأطراف على لعب دور ذي معنى في الإدارة العالمية للذكاء الاصطناعي.
قد لا ترى الشركات الكبرى قيمة كبيرة في تطبيق النهج متعدد الأطراف على ما تعتبره التقنيات المربحة والامتلاكية. قد تفضل الدول الأعضاء القوية بلورة مزاياها وقواعدها التنافسية عندما يتعلق الأمر بالتقنيات السيبرانية، قد يقاومون تدخل الأمم المتحدة في الإدارة العالمية للذكاء الاصطناعي لا سيما فيما يتعلق بالتطبيقات العسكرية.

يونس الأزمي : باحث في الدراسات الدولية

شارك المقال
  • تم النسخ
المقال التالي