في تصريحات أثارت الكثير من الجدل، قال الأدميرال الإسباني المتقاعد خوان رودريغيث غارات إن “المغرب لا يمكنه مهاجمة إسبانيا لأنه لا يملك غواصات”، معتبرًا أن امتلاك هذا النوع من السلاح هو شرط أساسي لأي قدرة هجومية بحرية حقيقية.
وتأتي هذه التصريحات، التي وردت ضمن مقابلة إعلامية ترويجًا لكتابه الجديد “طبول الحرب”، في وقت تعرف فيه العلاقات المغربية الإسبانية تحسنًا تدريجيًا بعد سلسلة من الأزمات الدبلوماسية التي هزت الضفتين خلال السنوات الأخيرة.
المغرب في عين الأدميرال: جار “غير مقلق عسكريًا”
وغارات، الذي يُعد من أبرز الوجوه العسكرية في المؤسسة البحرية الإسبانية سابقًا، وصف المغرب بـ”الجار غير المهدّد عسكريًا”، معتبرًا أن “أولوية الرباط تظل الصحراء، وليس سبتة ومليلية”، مشيرًا إلى أن “افتقار المغرب لسلاح الغواصات يُضعف أي سيناريو هجومي تجاه إسبانيا”.
لكن الأدميرال ذاته لم يُخفِ قلقه من ما سماه “الضغوط غير النظامية” التي يمارسها المغرب، خصوصًا عبر أدوات الحرب الهجينة مثل تدبير تدفقات الهجرة أو إثارة التوترات الرمزية في المناطق الحدودية.
الرد المغربي: القوة ليست غواصات فقط
من جهته، اعتبر محمد شقير، الخبير المغربي في الشؤون العسكرية، أن تصريحات غارات تنم عن “نظرة تقليدية متجاوزة لا تأخذ بعين الاعتبار التحولات النوعية في العقيدة الدفاعية المغربية”.
وقال في تصريح لجريدة “بناصا” الإلكترونية، إن”القوة في زمننا لم تعد تقاس فقط بعدد الغواصات أو الدبابات، بل بالقدرة على بناء شبكات تحالف، التموقع الجيوسياسي، الذكاء التكنولوجي والسيادة الاستخباراتية”.
ويضيف:”المغرب اليوم قوة صاعدة تُحسب لها موازين دقيقة، خصوصًا في غرب المتوسط وإفريقيا. وخطاب التقليل من شأنه لم يعد مقنعًا حتى داخل أوروبا”.
رسائل مزدوجة من المؤسسة العسكرية الإسبانية؟
واللافت أن تصريحات غارات جاءت بالتزامن مع تعزيزات عسكرية جديدة أعلن عنها الجيش الإسباني في مدينة مليلية المحتلة، ما يفتح الباب أمام قراءات متعددة: هل هناك فعليًا مخاوف إسبانية متزايدة من تطور القدرات المغربية؟ أم أن المؤسسة العسكرية تسعى لحشد دعم داخلي من خلال التركيز على “التهديد الخارجي”؟
في هذا السياق، يحذر غارات من “غياب ثقافة الدفاع” لدى المجتمع الإسباني، وتراجع الإنفاق العسكري مقارنة بالمعايير الأوروبية”، داعيًا إلى ما وصفه بـ”استعادة الوعي القومي وتعليم الأمن القومي في المدارس”.
المغرب يبني قوته بهدوء
وبعيدًا عن منطق التصريحات الاستفزازية أو حسابات التفوق العددي، يواصل المغرب استراتيجيته الهادئة المبنية على تعزيز القدرات النوعية، تنويع الشراكات الدفاعية، وضبط النفس الدبلوماسي.
وفي ظل تغير موازين القوى في البحر المتوسط، يبدو أن من يقلل من قدرة المغرب على التأثير في محيطه، يقرأ المشهد بعين الماضي لا الحاضر.
كما اعتبر الخبير المغربي في العلاقات الدولية أن ما جاء في تصريحات الأدميرال الإسباني خوان رودريغيث غارات “يعكس تخوفًا متزايدًا داخل الأوساط العسكرية الإسبانية من تطور القدرات الدفاعية المغربية، خصوصًا في الشق البحري”.
وأضاف، أن “السياسة الخارجية للدول لا تُبنى على الصداقات الدائمة أو العداوات المستمرة، بل على المصالح المتغيرة حسب السياقات الإقليمية والدولية”.
وأوضح المتحدث ذاته، أن “رغم التقارب الأخير بين الرباط ومدريد، فإن هناك ملفات عالقة لا تزال تثير التوتر، وفي مقدمتها مدينتا سبتة ومليلية، إلى جانب التنافس الإقليمي الطبيعي بين البلدين في غرب البحر المتوسط”.
وأشار إلى أن “هذا التنافس يُفسّر إلى حد كبير حساسية المؤسسة العسكرية الإسبانية تجاه تحديث الترسانة الدفاعية المغربية، وخاصة شراكات الرباط الاستراتيجية مع قوى كبرى كفرنسا والولايات المتحدة”.
غواصة واحدة قد تغيّر معادلة الردع مع إسبانيا
وحول مسألة الغواصات التي استند إليها الأدميرال في تقليله من قدرة المغرب على تهديد إسبانيا، أكد الخبير أن “ما قاله يحمل جزءًا من الصحة التقنية، إذ لطالما عانت البحرية الملكية من تأخر نسبي في التحديث مقارنة بالقوات البرية والجوية، غير أن العقدين الأخيرين شهدا تحولًا نوعيًا في هذا المجال، بدءًا بإنشاء قاعدة بحرية استراتيجية في القصر الصغير، واقتناء مجموعة من السفن والفرقاطات الحديثة”.
وتابع: “لا شك أن عدم امتلاك المغرب لغواصات حتى اليوم يترك فجوة في التوازن البحري مع كل من الجزائر وإسبانيا، اللتين تتوفران على هذا النوع من السلاح. لهذا، بدأ المغرب خطوات عملية نحو اقتناء غواصة أو أكثر، سواء من فرنسا أو ألمانيا، في إطار مشاورات قائمة منذ أشهر”.
وختم شقير تصريحه بالتأكيد على أن “امتلاك المغرب لغواصة متطورة – على الأرجح فرنسية الصنع – سيُعيد جزءًا من التوازن البحري في المنطقة، ويعزز حضور المغرب كقوة بحرية إقليمية، خاصة في ظل الامتداد البحري الهائل الذي تتجاوزه حدوده لأكثر من 3500 كلم”.
تعليقات الزوار ( 0 )