يبدو أن تصريح وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الذي أثار الجدل مؤخرا بشأن علمانية الدولة المغربية، ليس رأيا شخصا عابرا، أو فكرة طائشة لا تقدم ولا تأخر، ولا تغير شيئا من حقيقة الوقائع الماثلة التي تشهد على استغلال الدولة للمسألة الدينية بكل انتقائية واجتزاء وتوظيف مصلحي، لا يبقي لإسلامية الدولة معنى قائما، ولا للعلمانية شكلا قانونيا محترما.
إن ما أذيع من على منابر الجمعة الأخيرة (29 نونبر 2024)، على أسماع ملايين المغاربة المسلمين الذين يحضرون خطبة الجمعة، ليدل بجلاء على أن خطاب العلمانية أصبح منهجا واختيارا تبشر به وزارة الأوقاف من خلال ما سمي بخطة تسديد التبليغ، وليس رأيا فرديا لا يتجاوز حدود قائله.
لا يخفى أن خطبة الجمعة كانت منذ عقود خلت ولا تزال، محاطة بقيود وحدود تضعها الدولة، سواء بفرض مواضيع معينة في مناسبات خاصة، أو بمنع التطرق لمواضيع بعينها (مهرجان موازين مثلا الذي أعفي بسبب التطرق إليه عدة خطباء!)، أو تضييق الأفق الذي يمكن أن يبلغه الخطيب (كما يفهم من جواب الوزير في قبة البرلمان بأنه يُسمح للخطباء بالدعاء لغزة ثم نقطة، والنزول إلى الصف)… كل ذلك معهود ومعروف، ولكنه على الأقل كان يسمح للخطيب بهامش يلقي من خلاله خطابا متسقا في مضمونه وسليما من الناحية الشرعية، وإن كان كثيرا ما ينأى عن السياق والظرفية (مثل خطب الرضاع الطبيعي، والملح المزود باليود… في وقت يعاني فيه الناس من المشكلات الحياتية الضاغطة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، محليا ودوليا)؛ غير أن الجديد الذي حملته الخطبة الأخيرة، هو الاستخدام المشين للخطاب الشرعي في تسويغ المسلك العلماني، وتحريف الكلم عن مواضعه، مما يعد تضليلا للجمهور ويتنافى مع أمانة التبليغ.
وكي لا نلقي التهم جزافا، نورد المقطع أدناه من خطبة الجمعة الأخيرة، ونعلق عليه بكلام مختصر ليتضح ما فيه من الإيهام والتضليل:
” أمَّا بعد، أيُّها الإخوة المؤمنون، سبق الحديث في إطار “خطة تسديد التَّبليغ” عن الزَّكاة ودورها في تزكية الأنفس من الشُّح والبُخل، وتزكية الأموال من حقوق الفقراء والمساكين التي أوجبها الله تعالى على الأغنياء في أموالهم تضامناً مع إخوانهم الفقراء، فاستحقوا بأدائهم لهذه الطَّاعة حسن الجزاء، والوقاية من النَّار مصداقاً لقول الله تعالى: وَالذِينَ فِي أَمْوَٰلِهِمْ حَقّٞ مَّعْلُومٞ (24) لِّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِۖ (25)
وليست الزَّكاة بديلاً عن الضَّريبة كما العكس، فالضَّريبة حقٌّ للدَّولة تدبِّر به الشَّأن العام للمواطنين، حيث يؤدِّيها أصحاب الأرباح المختلفة، وفاءً لما التزموا به اتِّجاهها، وعملاً بقول النَّبي ﷺ: “المسلمون عند شروطهم”.
فدولة المؤسَّسات يكونُ بينها وبين مواطنيها حقوق وواجبات متبادلة، إذ يجب القيام بالواجبات لتكون الحُقوق مستحقَّة بعد ذلك، فالضَّريبة واجبٌ من واجبات كلِّ مواطن ومواطنة، والأموال المتحصّلة منها تعدُّ من موارد الدَّولة التي تُسَيِّر بها شؤونها في مجال التَّنمية، وحفظ الثُّغور، ورعاية الشَّأن العام، وإصلاح أمر النَّاس في معاشهم وصحتهم، وحفظ أمنهم، وغير هذا من المصالح العامَّة التي تقوم بها الدَّولة لصالح أفراد المجتمع.
أمَّا الزَّكاة: فهي حقُّ الله تعالى في مال الأغنياء، حدَّد القرآن الكريم مستحقِّيها، وجعلها من أهم وسائل التَّضامن، والحدِّ من آثار الفقر والحاجة في المجتمع…” [»الحضّ على دفع الزَّكاة لمستحقِّيها والتَّحذير من تأخيرها أو منعها « ليوم: 26 جمادى الأولى 1446هـ، الموافق لـ: 29 نوفمبر 2024م- موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية habous.gov.ma]
كان بإمكان الخطبة أن تقتصر على موضوع الزكاة ومصارفها الشرعية – كما تعود الجمهور على عشرات الخطب في هذا الشأن-، ولكن إقحام الضريبة في سياق من إلقاء الأحكام العامة التي لا تستند إلى تأصيل فقهي معتبر، أدخل الكثير من الخلط والالتباس على المستمعين. ولا شك أن الفكرة الذي تسبق إلى أفهام العامة من خلال هذا المقطع من الخطبة، توحي بأن الزكاة مسألة وجوب فردي وتدين شخصي يقوم به الشخص إبراء لذمته أمام الله، وترد هنا كلمة “التضامن” مرتين لتزيد من الفهم المشوش، الذي يخرج الزكاة عن حقيقة كونها نظاما اقتصاديا متكاملا تشرف عليه السلطة الشرعية –كما يدل عليه مصرف “العاملين عليها”-، وأنها ملزمة بالعمل به وتطبيقه، وأنه التعاقد الأصلي -في هذا الباب- الذي يجمع المسلم بالسلطة الحاكمة، يخرجها من كل ذلك إلى كونها التزاما أخلاقيا فرديا، وشأنا دينيا خاصا.
وفي مقابل الإيحاء السلبي لمكانة الزكاة والتوهين من مركزيتها في النظام الإسلامي، رفعت الخطبة شأن الضريبة وجعلتها واجبة على المواطنين باعتبارها التعاقد الأصلي والملزم تجاه الدولة؛ ولئن كان ذلك قائم حقيقة بحكم الفرض القانوني الموروث عن المرحلة الاستعمارية، فإنه لا ينبغي التلبيس على جمهور المسلمين وإلباس الضريبة لبوسا شرعيا وجعلها واجبا هكذا على الجملة والتعميم، كأنه وجوب ديني
ولسنا ندري ماذا تركت الخطبة من المقولة المنسوبة زورا للمسيح “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”؟ حين تجعل ذمة المسلم في مسألة واحدة -المسألة المالية- متعلقة بحقين: حق لله هو الزكاة وحق للدولة هو الضريبة، وكأن للدولة سلطة للتشريع مكافئة لسلطان الله تعالى. وإن تعجب فإن العجب كله في ذلك الاستدلال الفج الذي لا يمت للفقه بصلة، حين تعمد الخطبة إلى “شرعنة” الضريبة بإيراد جزء من حديث “المسلمون عند شروطهم” الذي ورد أصلا في الصلح (مع الإشارة إلى الخطإ في تخريجه في موقع الوزارة)، وتسكت عن تتمته: “إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا”، هذا على فرض حصول الاتفاق والاشتراط بين المسلمين، والحال أن الضريبة لا اتفاق فيها ولا شروط، بل هي إلزام وإكراه من الدولة للفقير قبل الغني في كل الأحوال والظروف، حتى إن السياسي الأمريكي بنجامين فرانكلين قرن بين الضريبة والموت في مقولته الشهيرة ” في الحياة لا مفر من شيئين هما الموت والضرائب”.
فهلا أخبرنا من كتب تلك الخطبة البتراء، عن أي مذهب فقهي جدير بالاعتبار، أو عن أي فقيه نظار أخذ عموم جواز فرض الضريبة على المسلمين بأنواعها الكثيرة المباشرة وغير المباشرة (الضريبة على القيمة المضافة، الضريبة على الدخل، الضريبة على الأراضي غير المبنية، لافينييت، الرسوم على رخصة البناء، ورخصة السكن… (وضريبة الشمس في الأيام الباردة، وضريبة الظل في الأيام المشمسة، وضريبة الأنف والأذن… كما وقع في تاريخ الاستبداد والتسلط!)؛ وقد استقرت القاعدة الشرعية التي لا منازع فيها أن “الأصل في الأموال التحريم”، لقول الله تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البَقَرَة: 188]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “كلُّ المسلِم على المسلم حرامٌ: دمُه، وماله، وعِرْضه” [رواه مسلم].
إن غاية ما يستفاد من آراء المجتهدين في تجويز بعض أنواع الضرائب، أنهم يقيدونها بشرط الحاجة التي تقدر بقدرها، إذا لم تف الزكوات والموارد الشرعية بالحاجات العامة، وأن تؤخذ من ذوي الثراء والاقتدار، وأن تصرف في المصالح الضرورية العامة دون إسراف أو تبذير أو فساد…، فلا تعدو في المحصلة أن تكون تشريعا استثنائيا يجريه الحاكم استجابة للمصالح الظرفية، وإلا عُدّت مكوسا يشملها الوعيد النبوي: ” لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ” [أخرجه أبو داود].
إن خطبة الجمعة، شأنها شأن أي خطاب شرعي منضبط لقواعد الشرع وشروط الاجتهاد، هي الضامن لثبات الهوية الإسلامية والرؤية الدينية المستنيرة، لتبقى مرجعا نظريا متماسكا وصلبا في وجه عواصف التبديل والتغيير والمؤثرات الظرفية. أما إن تسلطت عليها أيدي العابثين وأقحمت فيها المرجعيات العلمانية والتوجهات الرسمية، فلن يعود لها ذلك الطابع الديني التقي النقي، وحينها لا يبعد أن تصبح المنابر أبواقا للصدح بفضائل الاقتصاد على ما فيه من معاملات ربوية، وخضوع للرأسمالية المتوحشة؛ ولتزكية القوانين الوضعية وبيان فضلها… وهلم جرا وخبطا وتلبيسا.
إن تلك العشرة في المائة من الخطب التي آثرت النأي عن الإذعان لخطة تسديد التبليغ، والتي وصفها وزير الأوقاف بأنها حالة مرضية، قد يكون فيها من موازين العدل ما يعصم خطب الجمع من استبداد الرأي الواحد، ومن الانسياق غير الواعي أو الموجه نوع توجيه. ومن كان حكيما فإنه يبقي على الصوت المخالف عسى أن يسمع منه ذات حين ما ينفعه.
فهل ستستمر الوزارة في هذا المسلك المريب في علمنة خطبة الجمعة؟ وهي التي دأبت على محاسبة الخطباء على ما تراه تجاوزا منهم وجنوحا عن الجادة، وكثيرا ما أقدمت على إعفاء العديد منهم وإخماد أصواتهم؛ أم أن الخطب الصادرة عنها مبرأة من كل عيب ولا تحتمل النقد والتقويم؟
ثم نهمس أخيرا في آذان العلماء: يا رجال العلم يا ملح البلد، من يصلح الملح إذا الملح فسد؟! أين أنتم من البيان والنصح والإرشاد، الذي يجعلكم جديرين بالاندراج في زمرة الممدوحين: “ يحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خلَفٍ عدولُه ينفونَ عنهُ تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلينَ”.
*أستاذ التعليم العالي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بوجدة
تعليقات الزوار ( 0 )