Share
  • Link copied

من الاعتراف الرمزي إلى التحول الاستراتيجي: لماذا أصبح دعم بريطانيا لمغربية الصحراء ضرورة جيوسياسية ملحّة؟

أكد الباحث في العلوم السياسية، الشرقاوي الروداني، في مقال تحليلي له بمجلة “مودرن بوليسي” الأمريكية، أن اعتراف المملكة المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء لم يعد مجرد موقف رمزي، بل أصبح ضرورة استراتيجية تمليها المتغيرات الجيوسياسية العالمية.

ويرى الروداني أن هذا الاعتراف يخدم المصالح البريطانية طويلة الأمد في مجالات الأمن الإقليمي، تنويع مصادر الطاقة، تعزيز العلاقات التجارية، وتوسيع النفوذ الجيوسياسي عبر شمال وغرب إفريقيا ومنطقة الساحل والفضاء الأطلسي.

تحولات النظام العالمي وإعادة التموضع البريطاني

ويأتي هذا التحليل في وقت يشهد فيه النظام العالمي تحولات عميقة، لا سيما مع عودة دونالد ترامب المحتملة إلى البيت الأبيض، مما قد يدفع نحو مقاربة أمريكية جديدة أكثر براغماتية تجاه الشؤون الدولية.

ويرى الروداني أن هذه المتغيرات ستؤثر على ديناميات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وعلى طبيعة التفاعل الأمريكي في القارة الإفريقية، مما يفرض على بريطانيا تعزيز شراكاتها الثنائية لتوسيع استقلاليتها الاستراتيجية.

وهنا، يبرز المغرب كشريك موثوق يمتلك امتدادًا جغرافيًا مميزًا بين الأطلسي والمتوسط، وريادة في مكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى مكانته المتنامية كمركز للطاقة الخضراء.

تحالف تاريخي وثقة استراتيجية

وتمتد العلاقات المغربية-البريطانية لأكثر من أربعة قرون، حيث تعود جذورها إلى المراسلات بين الملكة إليزابيث الأولى والسلطان أحمد المنصور، وهو ما تُرجم لاحقًا إلى اتفاقية السلام والصداقة سنة 1721، قبل عقود من توقيع المغرب على اتفاقية مماثلة مع الولايات المتحدة.

وقد عززت هذه الروابط المشتركة في السيادة والأمن والاحترام المتبادل مكانة المغرب كواحد من أكثر شركاء بريطانيا استقرارًا في شمال إفريقيا.

وبالتالي، فإن اعتراف المملكة المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء سيكون خطوة طبيعية في سياق التحالف التاريخي الذي يجمع البلدين، كما سيعكس التزام لندن بدبلوماسية ذات بعد استراتيجي طويل المدى.

الصحراء المغربية: مفتاح الاستقرار الإقليمي

ويرى الروداني أن قضية الصحراء المغربية ليست مجرد نزاع إقليمي، بل تمثل محورًا جيوسياسيًا حاسمًا لاستقرار شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.

فمع تصاعد التهديدات الأمنية، بما في ذلك الإرهاب، الاتجار بالبشر، والحركات الانفصالية، تبرز أهمية المغرب كحاجز منيع ضد هذه المخاطر.

ويشير إلى أن الرباط تلعب دورًا رياديًا في مكافحة الإرهاب من خلال آليات مثل “مسلسل الرباط” ومنتدى مكافحة الإرهاب العالمي.

كما أن مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، والتي تحظى بدعم قوى عالمية مثل الولايات المتحدة وإسبانيا وألمانيا، تمثل حلاً عمليًا للنزاع يضمن الأمن والاستقرار الإقليمي.

من جهة أخرى، يُثير الروداني المخاوف بشأن الروابط المحتملة بين جبهة البوليساريو وجهات إقليمية مدعومة من إيران، مثل حزب الله، الأمر الذي قد يُفضي إلى تشكيل محاور تهديد عابرة للحدود، ما يستدعي مقاربة بريطانية أكثر وضوحًا في دعم الاستقرار بالمنطقة من خلال تعزيز الشراكة مع المغرب.

المغرب كمركز اقتصادي واستثماري واعد

وعلى الصعيد الاقتصادي، أصبحت الصحراء المغربية منطقة جذب استثماري، حيث تشهد مشاريع ضخمة مثل ميناء الداخلة الأطلسي والمنشآت الطاقية المتجددة، مما يفتح آفاقًا واسعة أمام الشركات البريطانية.

ويرى الروداني أن الاعتراف البريطاني بالسيادة المغربية سيعزز مناخ الاستثمار ويوفر ضمانات قانونية واستقرارًا استراتيجياً لرجال الأعمال البريطانيين.

وفي هذا السياق، يُشكل مشروع “Xlinks” للطاقة المتجددة بين المغرب والمملكة المتحدة نموذجًا واعدًا للتعاون في مجال الطاقة النظيفة.

إذ يهدف المشروع إلى تزويد بريطانيا بـ 3.6 جيغاواط من الطاقة الشمسية والريحية عبر كابل بحري بطول 3800 كيلومتر، وهو ما يكفي لتلبية احتياجات سبعة ملايين منزل بريطاني.

ويعتبر المشروع خطوة رائدة نحو تحقيق أهداف بريطانيا الطموحة بالوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2035، كما يعزز أمنها الطاقي في ظل التحولات الدولية المتسارعة.

البعد الجيوسياسي: مواجهة التحديات الإقليمية

من منظور استراتيجي، يوضح الروداني أن الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء يعزز موقف بريطانيا في مواجهة النفوذ المتزايد لروسيا وإيران في شمال إفريقيا، لا سيما من خلال الجزائر، التي تدعم البوليساريو وتقيم علاقات متنامية مع طهران.

ويشير إلى أن التحالف المغربي-البريطاني يُمكن أن يكون بمثابة “جدار صد” أمام هذه التهديدات، كما يعزز الأمن البحري في مضيق جبل طارق، الذي يُعدّ نقطة استراتيجية حيوية للتجارة العالمية والأمن الأطلسي.

نحو سياسة بريطانية أكثر براغماتية

ويخلص الروداني إلى أن الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء يُمثل قرارًا استراتيجيًا يخدم مصالح بريطانيا العالمية، خصوصًا في مرحلة ما بعد بريكست.

فهو يعزز من حضورها في القارة الإفريقية، يفتح لها فرصًا اقتصادية واعدة، ويقوي تحالفها مع شريك مستقر وموثوق. كما أنه ينسجم مع الاتجاه الدولي المتزايد نحو دعم مقترح الحكم الذاتي المغربي، والذي بات يحظى بتأييد متزايد من القوى الكبرى والمنظمات الإقليمية.

وفي ظل تزايد التنافس الجيوسياسي على إفريقيا، يحذر الروداني من أن عدم اتخاذ بريطانيا موقفًا واضحًا سيؤدي إلى خسارتها لموقعها الاستراتيجي في المنطقة لصالح قوى أخرى، مثل الصين وروسيا.

ومن ثم، فإن الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء لن يكون مجرد موقف دبلوماسي، بل خطوة حاسمة تضمن لبريطانيا دورًا أكثر تأثيرًا في تشكيل توازنات القوى في شمال وغرب إفريقيا ومنطقة الساحل، في ظل عالم يسير نحو تعددية قطبية متزايدة.

ويؤكد الروداني أن الاعتراف البريطاني بسيادة المغرب على الصحراء لا يُمثل فقط تعزيزًا لعلاقة تاريخية ممتدة لقرون، بل هو أيضًا قرار استراتيجي يعكس وعياً بريطانياً بضرورة التكيف مع المتغيرات الدولية، ودعم الشركاء الموثوقين في مناطق حيوية للأمن والتجارة الدوليين.

ومن خلال هذه الخطوة، تستطيع بريطانيا تعزيز موقعها في إفريقيا والأطلسي، والمساهمة في استقرار منطقة ذات أهمية جيوسياسية متزايدة، وهو ما يجعل الاعتراف بمغربية الصحراء ضرورة لا غنى عنها ضمن رؤية “بريطانيا العالمية” لما بعد بريكست.

Share
  • Link copied
المقال التالي