درجت الكتب والمقررات الرسمية منذ استقلال المملكة على ربط تاريخ الدولة بالمغرب مع تبلور الامارة الادريسية بفاس مقلصة تاريخ أعرق دولة بمنطقة شمال افريقيا والمنظومة المتوسطية في فترة زمنية لا تتعدى ت12 قرنا . كما درجت هذه المقررات على ترسيخ تحقيب تجزئي لتاريخ الدولة بالمغرب من خلال التركيز على تعاقب دول عدة بالمغرب انطلاقا من “الدولة الادريسية والدولة المرابطية والدولة الموحدية والدولة المرينية والدولة الوطاسية والدولة السعدية وانتهاء بالدولة العلوية “مما يفضي في الكثير من الأحيان إلى الاعتقاد بأن المغرب قد عرف ، بخلاف باقي دول العالم خاصة العريقة منها كالدولة الصينية أو الدولة المصرية ، عدة “دول” بدل دولة واحدة تعاقبت عليها أسر حاكمة . وقد هذا الغموض إلى تشويش في الوعي التاريخي لجل المغاربة بلغ في الكثير من الأحيان إلى درجة الخلط في ترتيب تعاقب هذه الاسر الحاكمة ، حيث قد يتم تقديم “دول على أخرى إضافة إلى القفز عن مرحلة أساسية من تاريخ الدولة بالمغرب تتمثل في الفترة ماقبل الاحتلال الروماني التي شهدت حكم عدة ملوك أمازيغ.
- أدلجة تاريخ الدولة بالمغرب
إن أغلب الكتابات التي حاولت التنقيب في تحديد جذور الدولة بالمغرب ، كانت عادة ما تتبنى إما تصورا عربيا إسلاميا أو تصورا أوربيا غربيا . فبالنسبة للتصور العربي – الاسلامي ، فمن المعروف تاريخيا أن “الفتح العربي للمغرب الأقـصى” لـم يـكـن فـتـحا “لخلاء سياسي” بـل لـقـد واجه مقاومات محلية عنيفة لايمكن بأي حال من الأحوال أن تكون نتيجة لردود فعل قبلية فردية و منفصلة بل كانت تجسيدا للحفاظ على كيان دولة ضاربة في القدم ظهرت مع المـلوك الأمازيغ واستمرت قائمة حتى بعد الاحتلال الروماني للمغرب الذي اضطر للجلاء تحت ضغط المقاومة المحلية . لـذا فالتصور الـعربـي – الاسـلامي لـلدولـة الذي انتشر مع الفتوحات العربية اكتسى غالبا صبغة ثقافية ، جعلت عنصر اللغة و الدين يـلعبان دورا رئيسيا في إقصاء كل المعطيات السياسية المحلية التي سبقت انتشار الاسلام بالمغرب . إذ أن “الفتح العربي للمغرب الأقـصى” أصبح بـمـثــابـة الـتدشين السياسي لتاريخ المغرب . و بالتالي أصبح البحث في نشأة الدولة بالـمغـرب مـحددا في المجال التاريخي الذي ارتبط ببداية الفتوحات العربية للمغرب الأقصى ، و الذي كرسته كتابات المؤرخين العرب مثل الطبري و ابن عبد الحكم أو بعض الجغرافيـين و أصحاب الرحلات مثل البكري . و حتى كتابات ابن خلدون ( كالعبر) لم تحاول تجاوز هذا الخط التاريخي الأحمر الذي رسمته الكتابات التاريخية العربية الذي سبقـتـه. كما أن الكتابات الاخبارية المغربية كرست “مسلمة تاريخية تركز على أن الدولة المغربية تبتدأ مع قيام الأدارسة، حيث يتجلى ذلك في أغلب مضامين هذه الاخباريات ابتداء من روض القرطاس لابن زرع وكتاب زهرة الآس، مرورا بتاريخ ابن خلدون و انتهاء باستقصا الناصري” .وهكذا يتم ربط ظهور الدولة بالمغرب بتأسيس مدينة فاس العاصمة السياسية للبلاد . و نظرا للتركيز على أن بناء فاس كان من طرف إدريس الثاني ، المؤسس الرئيسي لحكم الأدارسة ، فيتم الخلوص بداهة إلى أن نشأة الدولة المغربية يرتبط بظهور هؤلاء الامراء الأدارسة، في بتر سياسي لجزء من تاريخ الدولة بالمغرب الذي يقفز على أكثر من 8 قرون ، حيث يتم عادة التحديد الرسمي لتاريخ الدولة في 12 قرنا وذلك في قراءة إيديولوجية تستمد من التجربة الادريسية أسس شرعنة الجذور التاريخية للدولة المغربية ، والتي تتمثل في الأسس الاسلامية-العربية- السنية التي تتجسد بشكل خاص في التجربة الادريسية التي تغلب فيها الجانب الاسلامي و العنصر العربي على العنصر القبلي البربري، وتكريس شرعية الأسر الحاكمة بالمغرب التي تستند على الأصول الشريفية للأدارسة و تعتبر نفسها امتدادا سياسيا لهم .في الوقت الذي نعرف تاريخيا أن التجربة الادريسية كانت عبارة عن “تلاقح سياسي بين كنزة البربرية ومولاي إدريس القادم العربي.” وأن هذه التجربة رغم عمقها كانت تتحرك في مدار مجموعة من الامارات التي كان لبعضها امتداد سياسي وزمني فاق التجربة الادريسية كإمارة أمازيغية برغواطة التي دامت لأكثر من مائتي عام، وامتدت من منطقة وادي أم الربيع آزمور إلى وادي أبي رقراق.
–تصحيح كتابة تاريخ الدولة بالمغرب
على الرغم من تأسيس كليات عصرية وحديثة بالمملكة ، تخرج منها أكاديميون و مؤرخون ؛ فقد بقي أغلبهم يدور في نفس الحلقـة الإخبارية التقليدية ، بحيث لم تظهر لحد الآن، كتابات رصينة تحاول تحديد تاريخ واضح ومنسجم لتطور الدولة في المغرب . وقد ترجع أسباب ذلك إلى عدة عوامل من بينها اهتمام أغلب الـمـؤرخـيـن المغاربة المعاصرين بفترات تاريخية مجزأة (حكم أسرة حاكمة،حكم أمير أو سلطان معين…) أو الاهـتـمـام بالـتاريخ الـعـام ( الـمغرب العربي، شمال افريقيا، تاريخ المغرب…) مع إهمال تاريخ الدولة بالمغرب.أو يتم الاقـتـصـار عـلـى التـاريـخ الـحـديـث لـلـدولـة المـغربية ، والذي غالبا ما يتم التركيز فيه على فترة الحماية . من هنا ضرورة إعادة كتابة تاريخ الدولة بالمغرب بالاستناد إلى مقاربة شمولية تقوم ، بالاضافة إلى الاستغرافيا العربية والمغربية، بالاعتماد على مختلف المصادر التاريخية الموثقة لمراحل تطور الدولة بالمغرب من مـصادر تاريخية لاتينية و أوربية تِؤكد على وجود ممالك بربرية نشأت بالمغرب قبل ميلاد المسيح . إلى جانب ذلك فينبغي تكسير العائق الابستمولوجي الذي يربط تاريخ الدولة بالمغرب بالفتح الإسلامي وقيام الادارسة . فمن المعروف تاريخيا أن الفتح العربي قـد واجه مقاومات محلية عنيفة للحفاظ على سلطة سياسية قديمة ظهرت في عهد المـلوك المغاربة الأمازيغ. و قد استمرت حتى بعد الاحتلال الروماني للمغرب الذي اضطر للجلاء تحت ضغط المقاومة المحلية .كما ينبغي إعادة وضع التجربة الادريسية في حجمها السياسي الطبيعي من خلال التأكيد على أن الامارة الادريسية قد تزامنت مع عدة إمارات كإمارة بني مدرار و إمارة النكور وبرغواطة.، حيث أن الأمراء الادارسـة، بما فيهم إدريس الأول و ابنه إدريس الثاني لم يـمـارسـوا نـفـوذهـم إلا عـلـى مناطق محدودة من المجال المغربي؛ بحيث اقـتـصـر “تـأثـيـرهـم عـلى السهول الشـمـالـية للمغرب الأقصى إلى نهر أبي رقراق و على جبال الـريـف تـقـريب وجـبـال مـكـناسة و فـاس و الأطـلـس المـتوسط مـع تـوغـل في فزاز و تادلة في بلاد تازة و غالبا على جزء من المغرب الشرقي”.
كما تتطلب إعادة كتابة تاريخ الدولة بالمغرب ، العمل على إفراغ المفهوم المتداول للدولة في الـمغـرب مـن كل حمولة ســلالـيـة أو أسـرويـة . فـلـيست هناك لا “دولة ادريسية” و لا “دولة مرابطية” و لا “دولة موحدية ” و “دولة مرينية” ولا دولة “وطاسية” ولا دولة “سعدية”ولا “دولة علوية”. هناك فقط دولة مغربية واحدة ابتدأت منذ ما قبل الاحتلال الروماني والفتوحات العربيةالاسـلامـيـة بـالمـغـرب و مـازالت مستمرة لحد الآن . أما مختلف هذه التسميات فهي فقط تسميات لأسر أوسلالات تعاقبت على حكم المغرب ؛ أي بعبارة أصح فهي فقط أنظمة سياسية . و مـن الـمـعـروف أن كـل الأنـظـمـة زائـلـة لـكـن الدولة باقية. لذا فمن غير المنطقي ربط شيء زائل بشيء دائم . ولعل ترسيم الاحتفال بالسنة الأمازيغية بعد القرار الملكي بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية في المغرب، قد يساعد في خلق هذا المناخ الفكري والسياسي الذي قد يدفع إلى وضع تاريخ للدولة بالمغرب من خلال ترميم البتر السياسي و التجاهل التاريخي الذي طال أكثر من 8 قرون من تاريخ الدولة بالمغرب . فإذا رجعنا إلى تـاريـخ الـمـغرب القديم، نجد أن هناك عدة مؤرخين رومان أكدوا على وجود مملكة موريتانية فـي حـدود القرن الثالث قبل الميلاد وذكروا أسماء بعض الملوك المغاربة الذين تعاقبوا على الحكم مثل باغا ، بوكوس الأول وبوكوس الثاني ، والملك جـوبا الـثاني و ابنه الملك بطليموس الذي تم اغتياله من طرف القيصر الروماني كاليكولا . و ذكر هذه المجموعة من أسماء الملوك المغاربة، أو هذه السلسلة الملوكية الأمازيغية، يدلـل على وجـود دولة عريقة ذات جذور أمازيغية طعمت فيما بعد بروافد عبرية وعربية وافريقية. فالدولة المغربية تتميز بكثافة تاريخية تمتد إلى ما يزيد عن 20 قرنا ميلاديا الشيء الذي يتطلب تجسيده من خلال مقررات دراسية وأكاديمية ترسخ لدى المواطن المغربي وعيه بالانتماء الوطني المبني على منظور شمولي يتجاوز كل التصورات الايديولوجية الضيقة.
تعليقات الزوار ( 0 )