Share
  • Link copied

كيف تعيد الدبلوماسية الثقافية تشكيل موازين القوى في العالم؟

في عالم يجمع بين الوحدة والتعددية، أصبحت الدبلوماسية الثقافية أداة رئيسية تعتمدها الدول لتعزيز نفوذها الدولي. فمن خلال توظيف تراثها الثقافي وتاريخها وقيمها، تسعى الدول إلى تحسين صورتها، وتعزيز الحوار بين الشعوب، وتأسيس شراكات مستدامة. تقوم هذه الدبلوماسية على مبدأ الجاذبية والإقناع بدلًا من الإكراه، مما يجعلها ركيزة أساسية في إعادة تشكيل السياسة الخارجية الحديثة.

تعتمد الدبلوماسية الثقافية على توظيف الثقافة كوسيلة لتعزيز العلاقات الثنائية، إذ تشمل نشر اللغة والفنون والمأكولات التقليدية والعادات والتقاليد، بهدف بناء صورة إيجابية والتأثير في الرأي العام العالمي. وتؤكد منظمة اليونسكو أن الثقافة باتت الركيزة الرابعة للتنمية المستدامة إلى جانب الاقتصاد والمجتمع والبيئة، مما يعكس دورها المحوري في تعزيز التنوع والتعايش بين الشعوب.

يرى الأمريكي جوزيف ناي، (1990) مُنظِّر مفهوم “القوة الناعمة”، أن الدول الأكثر تأثيرًا هي تلك القادرة على نشر أفكارها وقيمها وثقافتها بطرق استراتيجية. وبناءً على ذلك، أصبحت الدبلوماسية الثقافية عنصرًا حاسمًا في السياسة الخارجية، حيث تعتمد الدول على موارد غير مادية تتجاوز الحدود الجغرافية وتعمل على تقريب الشعوب رغم اختلافاتها.

تستخدم الدول العديد من الأدوات لنشر ثقافتها وتعزيز قوتها الناعمة، مثل المعاهد الثقافية الدولية التي تلعب دورًا رئيسيًا في نشر اللغات والثقافات، كالمعهد البريطاني، والفرنسي، ومعهد سيرفانتيس. تُنظِّم هذه المؤسسات برامج تعليمية، ومعارض، وفعاليات ثقافية تعزز الروابط بين الشعوب. إلى جانب ذلك، تُسهِّل برامج التبادل الأكاديمي، مثل إيراسموس وفولبرايت، تنقل الطلاب والباحثين، مما يساهم في تعزيز التفاعل الفكري والتعاون بين النخب الثقافية بغية خلق فهم مشترك للقضايا الثقافية.

في حين كانت الدبلوماسية الثقافية في الماضي وسيلة لإبراز الهوية الوطنية والتنافس بين الدول، فإنها اليوم تشهد تحولًا نحو التعاون والشراكة في إطار “رابح-رابح”. إذ أصبحت الثقافة وسيلة لتعزيز التقارب، كما حدث عندما قامت الكوريتان في عام 2018 بتسجيل رياضة تقليدية مشتركة تُدعى “السيريوم” ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، مما ساهم في تخفيف التوترات وتعزيز التفاهم بينهما. وفي السياق نفسه، يُعتبر إدراج فن الملحون المغربي ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو عام 2023 شهادة على قوة الثقافة في تشكيل الهوية وتعزيز الحوار بين الذات والغير. بحيت يعكس الملحون، بشعره وموسيقاه، الروح الحية للمغرب، ويساهم في ربط أواصير ثقافية، لا من خلال الاعتزاز بالتراث فقط، بل أيضًا عبر تقوية الروابط الإنسانية.

علاوة على دورها الثقافي، باتت الدبلوماسية الثقافية أداة لتعزيز التنمية الاقتصادية، حيث وظّفت دول مثل فيتنام تراثها الثقافي لجذب الاستثمارات وزيادة صادراتها بنسبة تقارب 85٪ من عام 2015 إلى عام 2024 وفقا لجريدة أرقام، بينما تعاونت الصين ونيوزيلندا على تعزيز السياحة من خلال مشاريع ثقافية مشتركة. كما برزت ثقافة المطبخ أو ما يصطلح عليها بدبلوماسية المائدة كوسيلة فعالة لتعزيز الاقتصادات الوطنية، إذ نجحت البيرو في استخدام مطبخها التقليدي لخلق علامة تجارية وطنية تُروِّج لمنتجاتها عالميًا، ما أدى إلى انتشار المطاعم البيروفية في مختلف دول العالم وزيادة الفرص الاقتصادية.

أما على المستوى الأوروبي، فتلعب الدبلوماسية الثقافية دورًا رئيسيًا في تعزيز التعددية والتعاون الدولي، حيث وضع الاتحاد الأوروبي استراتيجية ثقافية موحدة تماشيًا مع الأجندة الجديدة التي تجمع المعاهد الثقافية للدول الأعضاء، بهدف تنسيق الجهود لتعزيز التنوع الثقافي وتسهيل التبادل الفكري والفني داخل أوروبا وخارجها. كما لم تعد هذه الدبلوماسية مقتصرة على الدول فقط، بل دخلت على الخط جهات أخرى، مثل المدن التي تلعب دورًا متزايدًا في الدبلوماسية الثقافية عبر اتفاقيات التعاون والمهرجانات والإقامات الفنية. إلى جانب ذلك، تساهم المؤسسات الخاصة والمنظمات غير الحكومية والشركات الثقافية في دعم المشاريع الثقافية وتعزيز التواصل بين الشعوب.

على صعيد المنظمات الدولية، تُعتبر منظمة اليونسكو فاعلًا رئيسيًا في الدبلوماسية الثقافية، إذ تعمل على حماية التراث الثقافي في أوقات الاضطراب. ففي نوفمبر 2024، وضعت المنظمة 34 موقعًا ثقافيًا في لبنان تحت “الحماية المعززة المؤقتة” بعد تعرضها لتهديدات، مع منح مساعدات مالية دولية لدعم تنفيذ تدابير الطوارئ، مما يعكس التزامها بحماية التراث الثقافي حتى في ظل الأزمات. كما أصبحت مسألة استعادة الممتلكات الثقافية قضية بارزة في العلاقات الدولية، حيث أعلنت فرنسا في نوفمبر 2024 عن إعادة الطبل التقليدي “دجيدجي أيوكوي” إلى دولة كوت ديفوار بعد أن تمت مصادرته عام 1916، في خطوة تعكس اعترافًا متزايدًا بأهمية إعادة القطع الأثرية إلى بلدانها الأصلية.

في الختام، تمثل الدبلوماسية الثقافية أداة فعالة للدول التي تسعى إلى تعزيز هويتها، وترسيخ تحالفاتها الدولية، والمساهمة في تحقيق السلام والتفاهم المشترك. ومن خلال استثمار قوتها الناعمة، تستطيع الدول التأثير في المشهد العالمي بأساليب تتجاوز القوة التقليدية، مما يجعل الثقافة عنصرًا أساسيًا لا مناص منه في صياغة مستقبل العلاقات الدولية.

Share
  • Link copied
المقال التالي