ها نحن نقف عند الذكرى 99 لما أطلق عليها في الكتابات التاريخية بمعركة أنوال، أو ما يطلق عليه في الأدبيات الإسبانية بكارثة أنول، التي تعتبر حدثاً مفصليا في تاريخ المقاومة الريفية ضد الإسبان وغطرستهم، اكتست أهمية بالغة في الكتب التاريخية بمختلف لغات العالم والأمر راجع إلى كون خبرها انتشر كالنار في الهشيم، بالإضافة إلى حدوث تغييرات سياسية على مستوى الأنظمة الإسبانية والآثار التي نجمت عن حرب الريف أيضا.
أن الحديث عن أنوال واهمية ما حصل في تاريخ 21\07\1921، لا يختصر المقاومة القوية للريفيين ضد، فهناك مجموعة من الأحداث التي لم تنل حقها من الاهتمام، فتاريخ الريف هو سيرورة من الوقائع والمعارك من اجل اعادة بناء المجتمع الريفي وتوحيد صف المقاومة لمواجهة الاسبان للحفاظ عن الهوية والارض والعرق.
فجذور المقاومة هي قديمة وليست وليدة عهد الشريف أمزيان والخطابي، ولعل الحديث عن واقعة أنوال لا يستقيم إلا بالرجوع إلى المحطات التاريخية البارزة في تاريخ الريف، وأبزها:
توسيع الحدود بموجب اتفاقية 24 غشت 1859، تشعل نيران الحرب:
ما إن وضع خط اليد على اتفاقية 24 غشت 1859، حتى انطلق الرصاص دفاعا عن بلاد الريف، والحديث هنا عن حرب “سيدي ورياش” وهو الاسم الذي أعطي لهذه المعركة في الوثائق المغربية، نسبة إلى الوالي سيدي ورياش دفين ضاحية مليلية، بينما أعطي لها اسم “مارغايو” في الأدبيات الإسبانية نسبة إلى الجنرال “خوان غارسيا مارغايو” (دراسات في تاريخ المقاومة الوطنية بالريف المغربي المعاصر، 2016، ص، 8).
يعود السبب الرئيسي في وقوع هذه المعركة إلى توسيع حدود مليلية تنفيذا لما نصت عليه اتفاقية 24 غشت 1859، إذ بمجرد البدء في عملية توسيع الحدود وانتهاك حرمة المقابر والوالي المشار له أعلاه، في سياق الحديث عن الحدود وتوسيعها يقول د. جمال عاطف:”إن النوايا الاستعمارية التي أبانت عنها الحكومة الإسبانية تجاه المغرب خلال منتصف القرن التاسع عشر، قد انتقلت بعدوها إلى منطقة مليلية )… ( كانت اتفاقية تطوان في 24 غشت 1859 قد نصت على حسم حدود مليلية بشكل يتيح لإسبانيا توسيعها”(إسبانيا وحرب سيدي ورياش من خلال الوثائق الإسبانية 1893\1894، ص، 31).
كل الوثائق التي تنص على توسيع الحدود كان الطرف الريفي غائبا فيها، مما جعل أهل قلعية ينتفضون على الإسبان، بيدا أن السلطة المركزية آنذاك، كانت في صف الإسبان، وتركت أهل قلعية لوحدهم، وسلمت أمرهم للسطلة الاستعمارية (دراسات في تاريخ المقاومة الوطنية بالريف المغربي المعاصر، 2016، ص، 10)، إذ توعدت كل من عارض سياسة إسبانيا بأشد العقاب لأجل فرض الطاعة (أصول حرب الريف، 1992، ص، 124)، جرت وقائع المعركة أيام 29‐30 من شتنبر و 1‐2 أكتوبر 1893، بزعامة القائد ميمون المختار ذو أصل النكوري، وقد انهارت قوات الجيش الإسباني أمام صلابة الريفيين ولقي قائد الجيش الإسباني “مارغايو” حتفه.
قبائل الريف تضع حدا لمزاعم الزرهوني:
تعرض الروكي لمقاومة شرسة من طرف الريفيين، وأحداث عديدة جعلت الريفيين ينتفضون على بوحمارة، لكن حدث وحيد مهم غير كل التوجهات في المشروع الزرهوني، يتجلى في معركة وادي النكور 1908، بعدما وجد نفسه بين انقلاب فرق من أهل قلعية التي كانت ضمن قواته، وبين قبائل المجاورة لمصب نهر النكور. ولحقت به هزيمة لم تكن في الحسبان، وهذه الخسارة مهدت لباقي القبائل الطريق لإعلان العصيان في وجه الروكي، وقد تحافلت قبائل ايث بويحي وقلعية وعقدت مؤتمرا عاما، الحدث الذي مهد لهزيمة بوحمارة ووضع حدا لطموحاته في الريف الشرقي، وتم طرده نهائيا من الريف و من معقله الذي كان في سلوان (اسبانيا والريف والشريف محمد أمزيان، 2011، ص، 59).
الشريف محمد أمزيان قاهر الإسبان:
يعتبر القضاء على الروكي بوحمارة الشق الأولي من ثورة الشريف محمد أمزيان، وبعد انتهائه، أعلن مباشرة حربه على الاستعمار الإسباني، وخاض مقاومة شرسة تجلت في العدد الهائل من معارك التي قادها الشريف محمد أمزيان، التي بلغ عددها 275 معركة (معارك الثورة الريفية، 1983، ص، 23)، لكن تبقى معركة “اغزر ن أوشن” أو ما يسمى وادي الذئب، والتي أطلق عليها في الكتابات الإسبانية بمعركة الضباط نظرا للعدد الهائل من الضباط الذين لقوا حتفهم فيها.
لقد حارب الشريف محمد أمزيان، التوسع الإسباني ورفض رفضا قاطعا استغلال مناجم الريف التي كان بوحمارة اتفق مع الإسبان بخصوصها بموجب عقد حددت مدته في 99 سنة، لقد تعددت حركات ثورة الشريف من حين إلى آخر، وحصل على دعم من عدة قبائل الريف الأوسط لمواجهة الإسبان، وكانت لها مشاركة مهمة خلال سنة 1911 (موقف اسرة عبد الكريم وقبائل الريف الاوسط من مقاومة الشريف محمد أمزيان، 1909‐1914، 2012، ص، 36).
فجوة تاريخية عقب وفاة الشريف محمد أمزيان إلى حين ظهور الخطابي:
بعد موت الشريف محمد أمزيان في سنة غيرت إسبانيا سياستها الاستعمارية من الحرب إلى العمل السياسي‐الاستعماري ‐ السلمي، من خلال تأسيس حزب أصدقاء إسبانيا، وبعد فترة شرعت مجددا جيوشها في احتلال الأراضي الريفية والظفر بأهم المواقع الاستراتيجية (إسبانيا والريف والشريف محمد أمزيان 1909-1912، 2012، ص، 340)، إذ لم تكن هناك أي مقاومة لجيوش الإسبان، وحتى لو كانت فلم تكن منظمة بل تحتاج إلى تأطير وعتاد فجلها فشلت ولم يكتب لها النجاح، ولعل هذا ما استغلته إسبانيا للحصول على مرادها وتوسيع نفوذها داخل الريف كله بموجب الاتفاق الودي الفرنسي الذي وقع خلال سنة 1904، إذ منحت فرنسا لإسبانيا منطقة الريف، والتي حددت حدودها عقب توقيع معاهدة فاس أو ما يعرف بالحماية التي وقعت سنة 1912، والتي بموجها تنازل السلطان المولى عبد الحفيظ عن السيادة المغربية لصالح فرنسا،إذ وجدت إسبانيا طريق خالية من المقاومة عقب وفاة الشريف محمد أمزيان، مما جعل هذه الفترة تعرف فجوة في تاريخ المقاومة الريفية إلى حين ظهور الخطابي.
ثمسمان منطقة ارهقت الاحتلال الإسباني في مثلث الموت:
شهدت أرض ثمسان وجبالها الصامدة معارك يشهد بها تاريخيا، وباتت مرجعية أساسية لكل الشعوب التواقة للتحرر من قبضة الاستعمار، ونالت اهتماما خاصا من قبل الباحثين في هذا الشأن، وخير دليل على هذا هو استمرارية الكتابات التاريخية حول تاريخ الريف قصد اكتشاف خباياها والدروس التي تحملها هذه المقاومة.
بعد إدراك الخطابي الابن والأب للنوايا الخبيثة لإسبانيا عملوا على تشكيل ثورة ريفية لمواجهة زحف إسبانيا، وذلك عبر مجموعة من المراحل، ولعل هذا التشكيل أتى بعد وفاة الخطابي الآب، عقب انعقاد أول مؤتمر في جبال القامة وتفويض صلاحيات للخطابي الابن، لتوجيه وتسيير هذه المقاومة، التي دشنها الشهيد اعمار التمسماني في معركة “ادهار اوبران” يوم فاتح يونيو من عام 1921، رفقة أهل ثمسمان وأفراد من عشيرته وانتهت المعركة بخسارة الإسبان، والظفر بالكم الهائل من الغنائم، ويذكر الخطابي أثناء حديثه عن هذا الأمر “أنه غنم المجاهدون من خلال تلك المعركة أربعة مدافع جبلية عيار 65 ملم، أربعة مدافع رشاشة، وكمية كبيرة من ذخيرة المدفعية، و65 صندوق ذخيرة بنادق بكل منهما 1800 طلقة، إضافة إلى 400 بندقية وعدد من الخيام “(مذكرات: الشعب يواجه الاستعمار الإسباني ص، 480 نقلا عن محمد بن عبد الكريم الخطابي ودوره في تحرير شمال افريقيا، ص، 49).
يجرنا الحديث عن “ابران” إلى ذكر “اغريبن” التي عرفت معركة دامت أياما، بسبب الحصار الذي وضعه المجاهدون عليها، وبرهنوا فيها عن حنكتهم ومهارتهم الحربية، إذ عملوا على تطبيق بالحرف الواحد كل ما خطه الخطابي لهم لنجاح الحصار (الأمير المجاهد عبد الكريم الخطابي والسلام في البحر المتوسط، مجلة أمل، ع، 12، ص، 33).
حصرت “اغريبن” لمدة ستة أيام وتم العمل على قطع كل الإمدادات الآتية من معقل أنوال، وتنبأ المجاهدين بكون المحاصرين في “اغريبن” يستغلون مياه آتية من “عين عبد الرحمان”، مما جعل المجاهدين يقطعون هذه المياه، الأمر الذي انعكس بالسلب على الإسبان، إذ اشتد بهم العطش والجوع طيلة أيام الحصار، وقد أدى عطشهم إلى شرب بولهم للنجاة ( التاريخ السري لحرب الريف، 2008، ص، 172)، تم القضاء على كل كتيبة عسكرية آتية من أنوال لمساعدة المحاصرين، مما أدى إلى خسارة فادحة اندهش أمامها الجنرال “سيلبيستري”، وكان الفوز مرة أخرى لصالح الريفيين.
أنوال معركة أم انسحاب دون خطة:
ليلة 21-22 يوليوز عام 1921، أقدم “سيلبيستري” على استدعاء ضباطه ليعلن الانسحاب من أنوال فارا إلى مليلية، وأنوال تعتبر من أهم القواعد العسكرية الإسبانية في الريف الأوسط، هذا الانسحاب يؤكد جل الباحثين على أنه لم يكن ذو خطة مسبقة أو توجه استراتيجي سابق، ليتحول الأمر إلى فوضى عارمة وفرار نحو مليلية، هربا من المجاهدين (الاستعمار الإسباني بالمغرب، ص، 33).
ونجد إشارة أيضا بخصوص هذا الانسحاب في مذكرات الخطابي لاريونيون، إذ خط بنفسه أنه تفاجأ برسول يخبره بفرار الإسبان من أنوال (مذكرات لاريونيون، 2017، ص، 90)، ونفس الشيء نجده في مذكرات مصر إذ تكلم فيها الخطابي عن حيثيات الفرار والذي لم يكن في الحسبان.
بعد هذا الفرار استطاعت العناصر الريفية ملاحقة الجنود الفارة إلى العروي، هنا نجد الغياب التام للمواصفات الشكلية لأي معركة والتي تقتضي وجود عدوين متحاربين، ونود أن ننبه إلى أن المعركة الحقيقية هي التي جرت في “اغريبن “عقب الحصار الذي استمر لمدة ستة أيام، وأن أنوال تعتبر تحصيل حاصل، ولعل هذا هو الطرح الذي يذهب إليه محمد بن عزوز:”وهنا يجب أن ألفت نظر القارئ الكريم إلى شيء وجب إيضاحه وهو أن المعركة الحقيقية التي كانت أكبر هزيمة عرفها جيش دولة استعمارية في العالم، خلال القرن 20 لم تجر في أنوال كما يعتقد الجميع بل جرت “بإغريبن” يوم 21 يوليوز عام 1921…”(معركة انوال، 1981، ص، 15).
أما الباحث الأمريكي دافيد هارت فهو يشيد بمعركتي “ابران” و”اغريبن” فقط، ويشير إلى أنوال بشكل عرضي، ولم يعر لها أي اهتمام، ولتعزيز طرحه استحضر ما تحفظه الذاكرة الجمعية من أشعار معاصرة خاصة منها قصيدة “ادهار اوبران” التي تتصدرها معركتي “ابران” و”اغريبن”، اكثر من أنوال (من الريفوبليك الى الريبوبليك المؤسسات الاجتماعية واصلاحات الريف، مجلة امل، ع، 12، 1997، ص، 54).
يمكن إرجاع سبب اكتساب أنوال لهذه الأهمية القصوى إلى حجم الخسائر الفادحة التي لحقت بالإسبان، نظرا لكون معسكر أنوال من أهم المعاقل العسكرية من ناحية العتاد والجند، إلى جانب أن الريفيين أبانوا عن صلابتهم ضد الاستعمار الإسباني، وقدموا للعالم برمته دروس في الحروب التحريرية، ولعل هذا ما جعل من الحرب الريفية مرجعية أساسية لثلة من زعماء الثورات التواقة للتحرر. تبقى حرب الريف من الأمور التي تظل محط اهتمام عديد من الباحثين، نظرا لدروسها العديدة والعبر التي تضمها بين طياتها.
توصيات:
• دعوة الباحثين إلى الاستمرار في الاشتغال على تاريخ الريف الذي مازال يضم العديد من الخبايا.
• إعادة كتابة التاريخ بالأقلام النزيهة.
• إقرار ذكرى “ابران” و”اغريبن” و”أنوال” عطل وطنية نظرا بما تحمله من اهمية كبيرة في تاريخ الوطن.
• الإفراج عن مذكرات الخطابي بكل اجزائها.
• إعطاء مكانة لتاريخ الريف وإعادة الاعتبار له.
محمد بدواو/ باحث
تعليقات الزوار ( 0 )