Share
  • Link copied

زلزال المغرب: تفكيك البنية السلوكية والبحث عن أفق أرحب للسلوك الحضاري

مقدمة

تعرض المغرب مؤخرا لزلزال شمل عدة مناطق جنوب المغرب ما أسفر عن خسائر بشرية راح ضحيته أزيد من ثلاثة آلاف شخص وعدد هائل من الجرحى والمعطوبين، بالإضافة إلى خسائر مادية عظيمة، وهو ما استدعى هبة سريعة لكل المكونات والشرائح المجتمعية لإغاثة المنكوبين وتقديم المساعدات الضرورية والاحتياجات المادية والنفسية للمنطقة وأهاليها، وقد رافق ذلك صور من المشاهد الراقية والتجاوزات التي حدثت أثناء المواكبة، وهو ما يدعو إلى التفكير للحد منها للوصول إلى معالجة آثار الدمار بشكل حضاري عقلاني، وسيتم معالجة ذلك من خلال ثلاثة محاور:

المحور الأول: مشاهد الارتقاء زمن المحنة

أبان زلزال المغرب عن جملة من الصور النبيلة ذات المدلول القيمي سواء على المستوى العالمي أو الوطني، حيث أبدى المغاربة من جميع أقطار وأنحاء المملكة تعاطفا هائلا لا مثيل له جسدوا فيه قيم التعاون والإخاء والتراحم والتآزر ومعاني التلاحم الاجتماعي والتضامن الإنساني الوطني لمسح آلام وجراح الناجين من الموت المفجع، وقد تابعت مختلف وسائل الإعلام الدولي والوطني مشاهد ذلك مجسدين رسالة عملية ذات مضمون قيمي رفيع وهو: “نحن مغاربة يد واحد وجسد واحد وقلب واحد”؛ وهذه الدينامية الفاعلة التي انطلقت من الاعتقاد الذاتي بضرورة الاتحاد واعتبار الأزمة أزمة الجميع والمصاب مصاب الجميع راجع إلى التمثل الجماعي للقيم التي أضحت تشكل هوية جامعة بين المغاربة كلهم دون نزوعات جغرافية أو إثنية أو تاريخية، فقيم المغاربة أكبر وأعظم من أن تنحصر في بعد واحد وإنما تجسيدها هو الأمر الذي ارتقى وعظُم؛ إذ بقدر المحنة والألم تكون المنحة والأمل؛ فقد هبت جموع الشعب المغربي بسخاء وكرم عارم بقوافل لا أول لها ولا آخر من جميع أنحاء البلاد، فلم يبقى رجل أو امرأة كبارا كانوا أم شبابا إلا وتبرعوا بما أمكن لهم، حتى لو كان ذلك حفنة من طحين زادت عنده بالبيت، بل حتى الأطفال وجدناهم يشاركون في تقديم المساعدات، فيحملون ويضعوا ما استطاعوا عليه، وهذا مما يعبر على ارتباط المغاربة الوثيق بمكارم الأخلاق، فإن الكرم وسوء الأخلاق لا يجتمعان، والكرم من أعظم الصفات التي يمتاز بها الناس حيث أنه يحتاج لمقاومة شديدة للنفس وحب العطاء وحب الخير للآخر.

وغير خاف المجهودات التي بذلتها الجمعيات والمؤسسات والهيئات الخيرية الدولية والوطنية التي أقبلت من دول أوروبا والصين وأمريكا واليابان، وكذا التضامن الذي قامت به الدول العربية التي حجت إلى المنطقة المنكوبة لإغاثة المتضررين سواء من تونس وقطر والكويت وغيرها، وهو المجهود الذي يضفي على المأساة مسحة من الأمل للارتفاع بالخلافات والتحديات التي تعوق التعاون بين الدول العربية نحو التفاهم والحوار، فقد تصنع المحنة ما لا تصنعه العافية؛ فتحملهم لعناء الكارثة مع ساكنة المنطقة، وتحمل صعوبة إيصال المساعدات إلى ذوي الحاجة مع ما يرافق ذلك من انعدام المسالك الطرقية وخطورتها إذا وجدت، وكذلك انهيار الجبال وتشققها جراء الهزات الارتدادية يعطي نوعا من إثبات الذات واستخراج أقصى ما يمكن للإنسان بذله من قدرة ومعنى داخلي لمواجهة الأزمات، وهذا ما يجسد قيمة أعظم بكثير من قيمة الوطنية المحدودة، وهي قيمة الأمة الواحدة التي يدعوا لها القرآن العظيم.

المحور الثاني: تجاوزات تحد من عملية التعبئة

وعلى الرغم من تلك المشاهد الراقية فإن هذه المحنة لم تخلو من بعض المظاهر التي ينبغي الوقوف عندها والتنبيه على خطورتها، ومن ذلك ما واجهته مسألة إدارة الأزمة أو ما يعرف بإشكالية التنسيق؛ فالتنسيق هو أحد أهم العناصر المؤدية إلى تحقيق الكفاية والتكامل والانسجام بين الخطط والجهود والبرامج والسياسات، أضف على ذلك أن تقسيم العمل بين المجموعات التي تنشط في تدبير الأزمة يحتم على ذلك تجميع الأنشطة، فوضوح التنظيم يحقق التوازن بين أنشطة مختلف الأفراد والجماعات، كما يؤدي الى تحقيق جهود جماعية حضارية متناغمة، والتوفيق بين اختلافاتهم وظروفهم خاصة وأن أهمية الإخلال في ترتيب التوقيت في خطوات العمل قد يؤدي إلى نتائج سلبية وخيمة في عملية تنفيذ الهدف المعلن أو المنشود، وهنا ليس الغرض هو الحديث عن ديناميكية التنسيق والتعريف بها في عملية الإدارة، وإنما لابد من الإشارة إلى العشوائية في الهبة التي حدثت في نفس الوقت من جميع أقطار المملكة إلى منطقة الزلزال في قافلات عديدة تحمل نفس المكونات الغذائية الهائلة والتي قد تتفاعل وتفسد بسبب الحرارة إذا مضت عليها ثلاث أو أربع أيام فلا يستفيد منها أحد ولا يتحقق الهدف! وهو ما يذكر بنفس الخطأ الذي حدث في إحدى الحروب التي شنت على غزة؛ حيث تم استقبال أطنان من الأدوية من مختلف دول العالم دون التنسيق مع الحكومة هناك، وفي الغالب كان نفس نوع الأدوية فلم تحضر لها الثلاجات وأماكن الحماية فتحلل وفسدت وكانت النهاية هي الزج بها في القمامات!!
ثم إن الحج إلى المناطق المنكوبة دون هدف واضح للكثير من الناس من أجل الظهور الاجتماعي كان واضحا، وهذا مما زاد عرقلة عملية جلاء المنكوبين وعطل من سير الحياة العامة في وقت حساس جدا، وذلك للازدحام الظاهر أثناء الطرق، وأضف إلى ذلك بروز ظاهرة الاتجار بالبشر عبر تفاهة المؤثرين والمؤثرات وتصويرهم وعدم الاعتبار بالعادات وتقاليد أهل المنطقة من حيث اللباس واللغة والتواصل الاجتماعي، وظهور البيدوفيليا واستغلال الأطفال جراء اليتم من طرف الكثير من الشباب خاصة بعد ظهور حالات الطوارئ التي دقت ناقوس خطرها بعض شباب المنطقة، وهناك نقطة مهمة وهي طبيعة المواد الغذائية المرسلة لا تلبي احتياجات المنكوبين؛ وذلك بالنظر إلى الثقافة الغذائية لأهل الجبل من سوس، بالإضافة إلى توقيتها الزمني المحدد بانقضاء أجلها في مدة وجيزة؛ فالتركيز على القوافل الغذائية في مدة النكبة دون النظر إلى آفاق الأزمة الممتدة والمتواصلة بالنظر إلى طبيعة الزلزال الذي يمتد آثاره إلى شهور وسنوات وليس في فترة الزلزلة فقط كان من بين الإشكاليات التصورية النمطية عند المجتمع بالرغم من حسن نواياه وحبه للخير، فهبّ أن المطر سقط بشدة في يوم واحد في تلك المناطق؛ فكيف كانت ستكون الحياة العامة هناك مع دمار الطرقات وتشققها وانهيار الجبال عليها !؟

وقد كان استغلال مأساة الناس للحسابات السياسية مع الدولة من القضايا التي أوضحت أن بعض الجهات ما زالت لم تستوعب بعد المتغيرات والمتحولات الحاصلة، فالكثير من الناس جعل هذه المحنة بابا لتصفية حساباته السياسية والأيديولوجية مع الدولة وهذا ليس وقت آوانها، إذ لم تعد الخطابات الشعبوية التي تمارسها هذه الجهات تجد آذنا صاغية لها ولا موقع لها في مغرب اليوم، فالانجراف والانجرار أمام الدعوات العاطفية التي تطلقها هذه الجهات بدون تعقل ولا تبصر في الواقع ومتطلباته يؤكد على أن بنية الخطاب هو أولى ما يواجه بنقده وتحليله.

المحور الثالث: نحو أفق رحب للتدبير

من خلال ما سبق يتضح لنا ضرورة انتشال هذه الكارثة من مآزق التدبير وذلك عبر آليات عملية ذات بعد حضاري ينعكس على الساكنة المتضررة ويقيها من شر الانتكاسات المستمرة، فقد لوحظ الكم الهائل من المساعدات الغذائية التي عرفتها المنطقة، وهي مثل أي عمل جماعي تحتاج لتخطيط حتى لا يحدث هدر في الموارد، فلا يكفي استثارة عاطفة الناس ثم إهدار مواردهم؛ فالتقدير السريع للاحتياجات على المدى القصير والمتوسط والطويل أساسي للنجاح، وتوفير عمليات التخزين من ثلاجات ومخازن متنقلة حتى تحتفظ بها الكميات الفائضة لا تقل أهمية عن ذلك، كما أن توفير الطواقم المدربة ووسائل المواصلات المناسبة لأماكن الحاجة يقي من استمرار الأزمة، بالإضافة إلى خدمات الإسعاف وخدمات الإيواء وأدوات التنقيب والاحتياجات النفسية، والاحتفاظ بالمعلومات لتحسين الأداء المستقبلي كلها اعتبارات أساسية للعمل الإغاثي الناجع.

ومن أجل تجلية أفق أرحب لامتصاص الأزمة فإنه من الضروري واللازم التنسيق بين المكونات الرسمية وبين الجمعيات العاملة ذات المصداقية والفاعلية، ومتابعة كافة المتاجرين بالمأساة والضرب بيد من حديد لكل المتجاوزين لحدود القانون، وعدم الانجراف وراء العاطفة التي تطلقها بعض الجهات لأنها لا تصنع قيما ولا تقدما ولا تحضرا، كما يعتبر النظر للخصوصيات الثقافية والعادات الاجتماعية التي تعرفها المنطقة منذ تاريخها الغابر واحترام ذلك في إطار الخصوصيات الوطنية سبيلا للحفاظ على الموروث الثقافي لتلك المناطق، والتريث في تنظيم القوافل إلى حين وجود فراغ وحاجات في الشهور المقبلة التي لا شك أنها ستشهد حاجات مع تغير الفصول، في أفق الاتجاه إلى التفكير في تأهيل البنية التحتية وتقديم الخدمات الاجتماعية الضرورية، فهي الأساس الذي تنبني عليه كافة مظاهر الحياة الكريمة والتفكير في استثمار المنطقة من خلال عملية الوقف المتنوعة في الصحة والتعليم والطرقات وخلق المؤسسات ذات الطابع الاجتماعي لتلبية احتياجات المنكوبين، وبناء الطرق وتسعيف المنطقة وربطها بشبكة الماء والكهرباء والآنترنيت، وهي كلها حاجيات ضرورة ينبغي البدء بها فور مرحلة الإغاثة، ولا يخفى كذلك إيلاء الجانب النفسي في معالجة مخلفات الأزمة؛ إذ أن متابعة المنكوبين من ناحية الجانب النفسي والمعنوي حتى لا تتطور إلى أزمات مقلقة وأمراض مستعصية عن العلاج أمر ضروري عند كل محنة تطال الإنسان.

خاتمة

إن عملية تفكيك البنية السلوكية التي رافقت مأساة الزلزال خطوة مهمة في سبيل إجلاء المأساة عن المنطقة، وهي من الضرورة بحيث تمكن من رسم معالم وخطوط عريضة نحو المستقبل، ففي داخل كل سلوك يبرز بنية فكرية وذهنية تنعكس على الظاهر وهو ما يوجب متابعتها وملاحظتها وقياسها لتنتج فعلا حضاريا متقدما إلى أقصى ما يمكن تكوينه بالفعل إلى حد بالسلوك الإيجابي، إلى أفق أرحب للسلوك الحضاري.

كاتبة مغربية

Share
  • Link copied
المقال التالي