تقــــديم عـــــــــــام:
لقد عرف العالم اليوم مجموعة من التطورات على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية ،الأمر الذي أدى إلى تغيير تبني ظـــــهور أســـــلوب اللامركزية وذلك لتقريب الإدارة من المواطنين ،وقد اعتبرت هاته الأخيرة كتجربة رائدة على مستوى التدجبير المحلي ونموذجا لتـــــــحقيق الديمقراطية المحلية ،وأذا كانت العديد من الدول منذ استقلالها راهنت على خيار التنمية كحل للعديد من من الأزمات الداخلية التي تعاني منها .
ويستأثر هذا الموضوع باهتمام خاص من قبل جميع الدول المتقدمة والنامية على حد سواء ،باعتباره القاعد الاساسية لكل تمية ترابية حقيقية .
.ويشكل قرار اعتماد الجهوية المتقدمة في المغرب في تدبير الفعل العمومي تطورا كبيرا ومؤشرا دالا على اعادة تغيير بنية الدولة ،وقد بداالاختيار الجهوي بالمغرب كأساس للتنظيم الترابي خلال عدة محطات كان أبرزها نظام الجهات الاقتصادية لسنة 1971،حيث كانت الرغبة في إحداث جهوية ذات هياكل تشريعية وتنفيذية هي السائدة ،دون أن ننسى ان الانتقال من الجهة من مجرد وحدة ذات بنية إدارية الى وحدة تنموية تعكس تصورا جديدا لدورها كجماعة ترابية في حل إشكالية التنمية المحلية باعتبارها الفضاء الجغرافي الأنسب والتنظيم الغداري الفعال في تدعيم الحكامة المحلية ،ويعتبر برنامج التنمية الجهوية أحد أسس و مرتكزات الجهوية المتقدمة بالمغرب باعتبارها وثيقة تعمل على تشخيص استراتيجي للتراب وتستشرف المسقبل المأمول والممكن للمجال الترابي الجهوي أخذا بعين الاعتبار إمكانيات وإكراهات المجال ، وأن هاته الوثيقة تستطيع تخطيط المسبق وتحديد مختلف السيناريوهات الممكن استغلالها مع إعطاء تصورات حول الانتقال نحو التغيرات والتحولات .
المبحث الأول : الإطار القانوني للتنمية الترابية والجهوية بالمغرب
سوف نحاول ان نبين في هذا المبحث الإطار القانوني بالتنمية الترابية والجهوية بالمغرب وذلك عبر مطلبين
المطلب الأول سوف نوضح فيه التأطير الدستوري للتنمية الترابية والجهوية بالمغرب والمطلب الثاني سوف نوضح فيه القوانين التنظيمية المنظمة للتنمية الترابية والجهوية
المطلب الأول : التأطير الدستوري للتنمية الترابية والجهوية
بعد دسترة نظام الجهوية بالمغرب في دستور 2011حيث خصص الدستور للجماعات الترابية 12 فصلا باعتبارها آليات وأدوات ووسائل قانونية ومالية لها دور منوط ومحرك أساسي للتنمية ،وبالرغم مع أن الجهة كمفهوم وشكل للتنظيم الإداري لم تر النور إلا مع ظهير16يونيو 1971 كإطار اقتصادي أملته عوامل اقتصادية مرتبطة بالعجز في التنمية الذي ساهم في تقليص الفوارق المجالية ،بالإضافة إلى دمقرطة *1*المؤسسات الجهوية وعوامل اجتماعية تهدف إلى تجاوز الاختلالات العميقة التي كرسها المستعمر بين المغرب النافع والمغرب غير النافع ،ولقد ظهرت رغبة إشراك أوسع للفئات الاجتماعية في تدبير الشأن المحلي واضحة من خلال المعطيات القانونية لظهير 1997 الذي جعل الجهة فضاء جديد للتداول والتشاور و الإنجاز ،ولقد أثبتت الجهوية كنموذج للحكامة الترابية والتي أثبتت نجاعتها في الدول السائرة في طريق النمو تتبناها باعتبارها الإطار الأمثل لتدبير الموارد وتنفيذ المشاريع التنموية لتجاوز معضلة التخلف و الفقر وتقليص الفوارق المجالية .*2*
وشكلت الجهوية مرجعية أساسية في الخطابات الملكية ففي خطاب العرش لسنة 2011 يقول جلالة الملك محمد السادس نصره الله”مولين عناية قصوى في هذا المجال للجهة والجهوية التي نعتبرها خيارا استراتيجيا وليس مجرد بناء إداري ،وننظر أنها صرح ديمقراطي أساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية“.
ولهاته الاعتبارات بوئها دستور 2011مركز الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية وحجر الزاوية في طور تكريس لامركزية متقدمة و تنمية ترابية ،ووفقا لأحكام الدستور الجديد يرتكز التنظيم الجهوي الذي يعتبر الإطار العام الذي ينظم اختصاصات الجهة ونظامها المالي على مايلي :
– مبدأ التدبير الحر *3*
– التعاون والتضامن بين الجهات وفيما بينها وبين الجماعات الأخرى
– إشراك الجماعات في تدبير شؤونهم
- – الرفع من مساهمة المواطنين في التنمية المندمجة المستدامة
– مساهمة الجهة في إعداد سياسات ترابية من خلال ممثليها في مجلس المستشارين
– تيسير مساهمة المواطنين والمواطنات من خلال آليات تشاركية للحوار والتشاور
– تمكين المواطنين من تقديم العرائض وجمعيات المجتمع المدني من تقديم ملتمسات في مجال التشريع *4*
كما تمت دسترة صندوق التضامن بين الجهات وتجاوز التوزيع غير المتكافئ للموارد قصد تقليص الفوارق الاجتماعية والترابية وكذا التفاوت بينهما طبق للفصل 142 من الدستور .*5*
مما سبق نستنتج أن المغرب راكم تجربة مهمة في مجال اللامركزية لكن هذا التطور لم يصاحبه تطور على المستوى المالي .
المطلب الثاني : القوانين التنظيمية المنظمة للتنمية الترابية والجهوية
يستنذ اهتمام الجماعات الترابية لقضايا التنمية على مجموعة من النصوص القانونية الواردة نجد من أهمها :
– ظهير 30شتنبر 1976 المعتبر بمثابة قانون يتعلق بالتنظيم الجماعي كما وقع تعديله بمقتضى ظهير 03اكتوبر 2002القاضي بتنفيذ القانون رقم 78.00المتعلق بالتنظيم الجماعي والذي يعتبر شكل صريح للدولى عللى تمكين المجلس الجماعي من مسؤوليات ضمن مجالات معظم مجالات التنمية الترابية
– ظهير 1.08.53الصادر بتاريخ 18 فبراير 2009 القاضي بتنفيذ القانون رقم 17.08وقد تم إدخال عدة تعديلات عليه تمحورت عموما تمحورت عموما حول تقوية آليات الحكامة الترابية ودعم وحدة المدينة وتحسين اليات تدبير المرافق العمومية بالتجمعات الحضرية الكبرى
– القانون رقم 45.08 المتعلق بالمالية المحلية ومجموعاتها
– القانون رقم 79.00الذي يهدف إلى جعل العمالات والأقاليم في نفس مرتبة الجماعات الحضرية والقروية (الجمــــــــاعات التــــــــرابية حاليا ) والجهات .
بالإضافة إلى القوانين التنظيمية للجماعات الترابية الثلاث:*6*
– القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات
– القانون التنظيمي 112.14المتعلق بالعمالات والأقاليم
– القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات
نستنتج مما سبق أن القوانين التنظيمية الثلاث التي جاءت سنة 2015أعطت للجماعات الترابية مجالا أوسع و أدوارا جديدة حيث أنه في ظل مبدأ التدبير الحر منحتها صلاحيات التدخل في شتى الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية ، وذلك بغية الوصول إلى تنمية ترابية حقيقية تخدم المواطن على المستوى المحلي والإقليمي والجهوي .*7*
المبحث الثاني: مرتكزات التنمية الترابية والجهوية
وسوف أحاول ان ابرز في هذا المبحث نقطتين أساسيتين النقطة الأولى سوف أبين فيها أهداف التنمية الترابية والنقطة الثانية سوف أوضح فيها مرتكزات التنمية الترابية
المطلب الأول :أهداف التنمية الترابية والجهوية
تعتبر الجماعات الترابية أحد أسس العملية التنموية وذلك بحكم قربها من الساكنة والأدوار التمثيلية التي يمثلها المنتخبين نيابة عن الساكنة
وبالنظر إلى الأدوار التي يمثلها المنتخبون فإنه إجمالا يمكن إبراز أهداف التنمية الترابية في الأهداف التالية :
– تحقيق العدالة المجالية
– الحد من الهجرة القروية من الأرياف إلى المدن
– تحقيق اللا تمركز الإداري وخلق مناطق جذب سكاني *8*
– زيادة القدرة المالية للهيئات المحلية مما يساهم في استقلالها وتحقيق مبدأ التدبير الحر
– تكثيف أواصر التعاون والشراكة بين الجماعات الترابية
خلق مشاريع وفق تشخيص ترابي مجالي جهوي مبني على التخطيط والحكامة الترابية
– التنسيق الإداري وخلق التقائية بين جميع الفاعلين المحليين المتدخلين في المجال الترابي الجهوي
– خلق قيادات محلية قادرة على الترافع وفق مبادئ التسويق الترابي
– جذب استثمارات صناعية واقتصادية للمناطق والمجتمعات المجالية
– التسويق الترابي للمجال المحلي والإقليمي والجهوي *9*
محاربة التفاوتات المجالية عبر مبدأالعدالة التوزيعية المبنية على اللاتمركز الإداري
المطلب الثاني : مبادي التنمية الترابية
إذا كانت التنمية الترابية تهدف إلى تحقيق العدالة المجالية المبنية على تحقيق التنمية الاقتصادية الفاعلة والتنمية المستدامة فإنها ترتكز على المبادئ التالية :
1-التشخيص الاستراتيجي الترابي :
حيث يعرف بكونه طريقة تسمح بتحديد التوافق بين الأهداف المعلنة بالنسبة للتراب والموارد التي يتوفر عليها لتحقيق تلك الأهداف،كما أنه يتوخى إعطاء انطلاقة لعملية التنمية عبر تعبئة مختلف فاعلي التراب ،إضافة لكونه يعمل على حصر الوسائل الموجودة القابلة للاستغلال المالية والبشرية والتقنية مع تحليل ملائمتها وتوافقها والأهداف المنشودة .*10*
2 – استشراف التراب:
ويقصد به استشراف المستقبل للمجال الترابي ،أخذا بعين الاعتبار إمكانياته واكراهاته الآنية ويتميز كونه يحدد مختلف السيناريوهات الممكن استغلالها وإعطاء تصورات حول الانتقال نحو التغيرات والتحولات كما أنه يعمل على أخذ القرار العمومي خلال المدى البعيد وذلك وفقا لإستراتيجية للتنمية على المدى البعيد عبر تكوين رؤية واضحة لطموحاتهم .
3– التسويق الترابي :
التسويق مصطلح أنجلو- سكسوني أدخل إلى فرنسا في الخمسينيات، ويــعرف بأنه كل ما يساهم في جذب واستقطاب أكبر عدد ممكن من الزبائن الجدد والحفاظ على ولاء زبائن المؤسسة، والتسويق هو مجمل الوسائل التي تستخدمها المؤسسة بفعالية لبيع سلعها: «إنه مسعى يرتكز على الدراسة العلمية لرغبات المستهلكين، ويسمح للمؤسسة، في الوقت الذي تحقق فيه أهداف المردودية المنشودة، بعرض سلعة أو خدمة نهائية في سوقها المستهدفة.*11*
ويمكن تعريف التسويق الترابي بأنه مجموعة من الأنشطة التي يقوم بها الخواص أو الجماعات نفسها بغاية توسيع شبكة الوحدات الإقتصادية المتواجدة بالجماعة عبر جلب أنشطة إقتصادية جديدة. كما يعرف بأنه منهجية تدبيرية حديثة لجلب المقاولات لتراب الجماعة، و كذا تسهيل أنشطة المقاولات و تسويق صورة جديدة عن الجماعة المعنية بالأمر، وهو ما يساعد على وضع استراتيجية تنموية و تشكيل شخصية اقتصادية للجماعة.
ويعرف فانسون كـــــــــــــــــولان التسويق الترابي على أنه «الجهد المراد به تقييم التراب وإمكاناته في الأسواق التنافسية، لجعله – أي التراب – ذو مؤهلات جذب فعالة، وهذا النشاط يدبر عموما من طرف وكالات التنمية لصالح السلطات العمومية والقطاع الخاص*12*
وتكمن أهمية التسويق الترابي في كونه يجعل من الجماعات المحلية مقاولات حقيقية ذات مردودية مباشرة تمكن من مجاورة الدولة في حل الرهانات المطروحة عليها، وهذا لن نصل إليه إلا باعتماد مقاربات أكثر نضجا وفعالية في صياغة مفهوم نموذجي للمجال ومظاهره، غير أن أهمية تدبير التسويق الترابي لا يجب أن تقف عند هذا الحد، بل عليها أن تنخرط في مسلسل التفاعلات العالمية وما يطبعها من استقطاب الرساميل، لذا فإنه يجب أن يراعى في تدبير التسويق الترابي السهر على تأهيل الجماعات المحلية، وذلك بإظهار مالها من مؤهلات طبيعية، خاصة وأن المغرب يشهد تنوعا قل نظيره من شواطئ، غابات، جبال، شلالا، وواحات…؛ وتقنية كتوفر المطارات والموانئ، الطرق السيارة…؛ وكذلك العنصر البشري وتحديدا اليد العاملة النشيطة.
كما أن التسويق الترابي يتقاطع مع مفهوم الجماعة المقاولة من خلال:
أولا: التشخيص الحقيقي لواقع التراب المحلي ومعرفة حاجيات وانتظارات المواطن الزبون، كما يجب عليها
ثانيا: أن تأخذ موقفا إيجابيا للملتمسات، فهي مدعوة لوضع رقم أخضر أو موقع إلكتروني يسمح بتطوير سياسة القرب.*13*
فبفضل التسويق الترابي تتحسن إمكانية التواصل داخل التراب المحلي الذي ينبغي تحقيق هدفين موضوعيين هدف خارجي (اقتصادي) يركز على تنمية الجماعات الترابية لجذب المستثمرين، وهدف داخلي (سياسي) يفسر ويشرع لعمل المجالس الجماعية. وهو بذلك يطال الذكاء الترابي للجماعة الترابية – الذي يعتبر بمثابة استراتيجية عمومية جماعية لدعم الإنتاج المشترك للتنمية الترابية بواسطة المقاولة – تستعمله كأداة للتحليل العملي من أجل تدبير جيد وتحسين عرض التراب، وهو أيضا آلية للإعلام الجغرافي، فيدخل إذن ضمن استراتيجية التنمية المحلية، ويتعلق الأمر بالتموقع الفعال للمجال المحلي داخل السوق الدولي لهدف جذب الاستثمارات الصناعية والسياحية والتجارية.*14*
ان تطوير التدبير الترابي و إخضاعه للمبادئ الحديثة للتدبير المعتمدة في القطاع الخاص يحتم على الجهة والجماعات الترابية اعتماد ما يعرف “بالتسويق الترابي”، الذي يهدف إلى إبراز مؤهلات ومميزات المجالات الترابية الاقتصادية والاجتماعية لجذب الاستثمارات و رؤوس الأموال. الأمر الذي يجعلها أكثر تنافسية وقادرة على تنفيذ التزاماتها وبرامجها التنموية. ويتطلب ذلك إعتماد مفاهيم السوق المعمول بها لبيع “المنتوج الاستهلاكي” و دفع الجماعات الترابية أن تتعامل مع ترابها “كمنتوج” يحتاج إلى تسويق لدى المستثمر، بما يجعله الإطار الأكثر إجرائية لتنفيذ السياسات العمومية الترابية. وذلك بناء على ما يتوفر عليه من خصائص و إمكانيات، الأمر الذي يساعد على وضع مخطط إستراتيجي تنموي وتشكيل شخصية أو “هوية” اقتصادية للجماعات، وخاصة مجالس الجهات التي نص قانونها التنظيمي في المادة 80 منه على من مهام الجهة “تحسين جاذبية مجالها الترابي وتقوية تنافسيته الاقتصادية”
وفي هذا السياق نصن المادة 80من القانون التنظيمي للجهات على أهمية اعتماد التدابير والإجراءات المشجعة للمقاولة ومحيطها والعمل على تيسير توطين الأنشطة المنتجة للثروة والشغل.
وهكذا فان التسويق الترابي قد يمثل وسيلة هامة لتوفير موارد مالية هامة وتجاوز إشكالية ضعف الإيرادات الذاتية وضعف أو غياب التجهيزات و الخدمات العمومية الأساسية ومحدودية مساهمتها في التنمية المحلية.*15*
وهو ما يتطلب بذل جهود كبيرة من الجماعات الترابية وتحديدا مجالس الجهات على مستوى التخطيط التنموي و التنظيم الداخلي وتثمين الموارد، فإعداد مجالات تنافسية يستوجب قدرا هاما من حسن التنظيم وجودة التدبير و القدرة على التشخيص الحقيقي للحاجيات.
مما يحتم استحداث منظومات جهوية للمعلومات تستهدف الدقة والموثوقية، للإحاطة بمختلف المعطيات الاقتصادية والاجتماعية، بما يساعد المسؤولين الجهويين والمركزيين على اتخاذ القرار، حيث ان المعرفة المعمقة بالواقع تسهل عملية ايجاد الحلول الملاءمة.
كما أن منطق التسويق يفرض الانتقال من مجرد العمل على تقديم الخدمة للمواطن الى استهداف الجودة في ذلك، من خلال تحديث بنيات الاستقبال و تطوير آليات التواصل وتقديم المعلومة للمواطن، وهو معطى طبيعي اذا ما أرادت مجالس الجهات الانخراط في مسار عصرنة منظومة تدبيرها على غرار ما هو معمول به في القطاع الخاص.
4 – التقطيع الترابي :
اهتم الجغرافيون منذ عهد الحماية بمسألة التقطيع الترابي وعملوا وبالأخص التقطيع الترابي الجهوي وعملوا على تقسيم التراب المغربي إلى عدة جهات استنادا إلى معايير ومرجعيات جغرابية مختلفة تعكس في الواقع إشكالية التحديد المجالي الدقيق لحدود الجهات ومجالها الترابي ونذكر من هؤلاء الباحثين جون سليري هذا الباحث الذي قام بمراجعة التقسيم الذي اقترحه هاردي سنة 1922إذ أضاف جهتين جديدتين وسط المغرب وجبال الأطلس ليصل عدد الجهات إلى ثمانية ونجد كذلك الباحث رانيال الذي اقترح سنة 1952تقسيما جهويا مستمدا من نمط العيش فهذا الباحث حاول أن يوظف معطيات أعطيت فيها الأسبقية لمعايير تهيئة المجال القروي وتشكيل المشهد من هذا المنظور عرفت الجهة بكونها مجموع الظواهر البشرية التي ترتبط بعلاقات محددة داخل إطار مجالي .*16*
نجد كذلك بيغات في تحديد حدود الجهات الذي اعتمد على الاستقطاب الجغرافي فقد اعتمد على التجاذبات والإشعاعات والتدفقات التي تهيكل عبرها المدن مجالها الجهوي والمحلي بغية تحديد مجالات متجانسة وظيفيا وانتهى به المطاف إلى تقسيم التراب الوطني إلى تسع جهات .
مما سبق نستنتج على أنه بالرغم مع أن الباحثين الكولونياليين اهتموا بالتقسيم الجهوي انطلاقا من محددات مختلفة تبدو في أغلبها وبالرغم من واقعيتها يسيطر عليها منطق هيمنة الاستعمار المبني على الاستغلال والتفاوتات المجالية ،كل هذا جعل المغرب المستقل يرث مجالا جغرافيا تطبعه التفاوتات والتباينات بين المناطق التي رسمها الاستعمار .
إن التخلص من المغرب النافع والمغرب الغير النافع التي تبناها المستعمر في تعامله مع المجال باعتباره مجالا للتأطير القانوني والاقتصادي والاجتماعي كان الهدف منه الأساسي هو توحيد البلاد وضمان الاستقرار باعتباره مدخلا لإرساء أسس حديثة تسمح بمباشرة الإشكاليات التنموية .*17*
كل هذا جعل الدولة تراهن على إشكال التدبير المجالي لتنفيذ توجهاتها الاقتصادية والأمنية رغبة منها في فرض هبة الدولة ، وبعد الاقتناع بعدم قدرة الإقليم على تحقيق توازن مجالي واقتصادي واجتماعي انصب الاهتمام على التقسيم الجهوي سعيا وراء تصحيح الاختلالات التي تطبع التراب الوطني ،وكانت أشكال التقسيم الجهوي على الشكل التالي :*18*
– سنة 1971 تم تقسيم المغرب إلى تسع جهات وهي :
– الجهة الوسطى الشمالية
– الجهة الوسطى الجنوبية
– الجهة الشرقية
– جهة تانسيفت
– الجهة الشمالية الغربية
– الجهة الجنوبية
وقد اعتمد هذا التقسيم على المعايير التالية:
3 – المجموعة الثالثة تتكون من :
جهة الدار البيضاء الكبري
جهة الرباط- سلا –زمور زعير
وبعد الارتقاء لمستوى جماعة محلية في ظل دستور 1992 و1996 وصدر القانون التنظيمي للجهات 96.47 ونص على الاختصاصات الذاتية والمنقولة من طرف الدولة والاستشارية وتم التنصيص على موارد مالية للجهات لكن دستور 2011 جعلها مركز الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية وحجر الزاوية في طور تكريس لامركزية متقدمة و تنمية ترابية ،ووفقا لأحكام الدستور الجديد يرتكز التنظيم الجهوي الذي يعتبر الإطار العام الذي ينظم اختصاصات الجهة ونظامها المالي على مايلي :
كما تمت دسترة صندوق التضامن بين الجهات وتجاوز التوزيع غير المتكافئ للموارد قصد تقليص الفوارق الاجتماعية والترابية وكذا التفاوت بينهما طبق للفصل 142 من الدستور .
وقد تم تقسيم التراب الوطني في سنة 2011 الى 12 جهة وهي :
المبحث الثالث : مخطط التنمية الجهوية
يمثل التخطيط المحلي والجهوي الية لتحقيق الوظائف الاقتصادية للجماعات المحلية ،وقد عرف في الآونة الأخيرة تطورا نوعيا تمثل في التخفيف من مركزية التخطيط والذي لم تعد أهميته تقتصر على تقنين وتنظيم المشاريع والتجهيزات الجماعية ، بقدر ما أصبح عنصرا أساسيا تساهم الجماعة بواسطته في إعداد المخططات الوطنية انطلاقا من القاعدة أي الجماعة مرورا بالإقليم ومن بعده الجهة الى أن يغطي كافة التراب الوطني ،وسوف نحاول في هذا المبحث أن نعالج مطلبين المطلب الأول سوف نبين فيه تعريف مخطط التنمية الجهوية والمطلب الثاني سوف أوضح فيه التقائية واليات تحقيق التنمية الجهوية.
المطلب الأول : تعريف مخطط التنمية الجهوية
عرف المادة 2 من مرسوم إعداد برنامج التنمية الجهوية البرنامج أو المخطط الجهوي بكونه “الوثيقة المرجعية لبرمجة المشاريع والأنشطة ذات الأولوية أو المزمع إنجازها بتراب الجهة بهدف تحقيق تنمية مندمجة ومستدامة تهم على وجه الخصوص ، تحسين جاذبية المجال الترابي للجهة وتقوية تنافسيته الاقتصادية ويشكل المخطط الجهوي إحدى أهم وسائله لتحقيق الغاية المرجوة فهو يعتبر عنصرا أساسيا في إنجاز المخططات الوطنية وتنزيلها إلى أرض الواقع ،وذلك راجع إلى الدور الذي تلعبه الجماعات الترابية وخصوصا الجهة باعتبارها تتبوأ الصدارة في هذا الإطار في جميع مراحل إعداد المخططات الوطنية ،لهذا أصبح المخطط الجهوي أداة مساعدة في المخططين المركزيين تساعدهم على وضع مخططات وطنية متجانسة ومتكاملة وتتجلى أهمية التخطيط الاستراتيجي الجهوي والمحلي في ضمان التنسيق بين البرامج التنموية الاقتصادية والاجتماعية .
ويمكن إجمال المخططات التي عرفها المغرب فيما يلي :*19*
– المخطط الخماسي: 1960/1964
– المخطط الثلاثي :1965/1967
– المخطط الخماسي :1968/1972
– المخطط الخماسي :1973/1977
– المخطط الثلاثي :1978/1980
– المخطط الخماسي :1983/1987
– مشروع مخطط التنمية :2000/2004
وبالرغم من هاته المخططات فإن مسار التنمية في المغرب لم يمشي في السكة الصحيحة حيث أنه بالرغم منها بقيت الفوارق الترابية والجالية والاجتماعية هي التي تطغى في مختلف الجهات والأقاليم ،وقد عرفت هاته المخططات عدة عوائق :
-غياب المعطيات والإحصائيات والأطر التي تسهل عملية التحضير والتخطيط والتنفيذ
– هيمنة الإقليم كإطار ذو أسبقية حتى تنفيذ وتطبيق مقتضيات المخططات
– إجماع حول أهمية التنمية الجهوية في الخطاب الرسمي وفي مطالب القوى السياسية – الأحزاب الوطنية آنذاك بالرغم من اختلاف الآليات المراد استخدامها لتحقيق هذا الهدف.*20*
المطلب الثاني :التقائية اليات تحقيقق التنمية الترابية والجهوية
أكد لنا الدستور في الفصل 136من الدستور ملامح التنظيم الجهوي الترابي ،حيث أكد انه يجب أن ترتكز على مبادئ التدبير الحر والتضامن
لكن بالنظر الى واقع حال الجماعات الترابية بالمغرب فإنه منذ تعزيز إصلاح النظام اللامركزي في المغرب بموجب دستور 2011فإن التطورات التي عرفها التنظيم الجهوي عرفت مجموعة من الاختلالات والمعيقات التي حالت دون نهج سياسة إعداد ناجحة وفعالة في التدبير ،وإذا كانت مختلف التفاوتات المجالية كانت بسبب التقطيع الترابي الذي يأتي في مقدمة الاختلالات ،فإن متطلبات التنمية الجهوية يجب ان تعتمد على مقاربة دقيقة لحل المشاكل الجهوية والمحلية كما ان هناك عدة آليات لتحقيق التنمية الترابية والجهويةويمكن إجمالها فيما يلي :*21*
–التعاقد كالية بين الدولة والجهة في ممارسة الاختصاصات المشتركة لتحقيق التنمية
– التعاون كآلية لتحقيق التنمية الترابية والجهوية
– تعزيز الديمقراطية المحلية
وعلى الرغم من العديد من المبادئ والآليات إلا أن هناك العديد من الاكراهات مازالت تعترض التدبير الجهوي بالمغرب ولعل اهمها :
– ضعف الموارد المالية المخصصة للجهة
– الإنفاق العشوائي والتبذير المالي لايخذم التنمية المحلية
– هيمنة الرؤية القطاعية المركزية
– اشكالية النخب السياسية التي تظل من ابرز الإشكاليات الجوهرية التي تواجه الجهوية المتقدمة
– هيمنة قيم القرابة والقبيلة وسيادة المحسوبية والبرقطة والمحاباة والوساطة
– غياب اليات التتبع والمراقبة القانونية
– غياب التخطيط الاستراتيجي الذي يستنذ إلى برامج معينة وأهداف محددة
– عدم التجانس بين المكونات الترابي والهياكل الإدارية *22*
– عوائق التطيع الترابي الذي يستنذالى نظرة سياسية ضيقة وليست نظرة تنموية
خلاصات :
نخلص في الأخير إلى الخلاصات التالية :
الخلاصة الأولى :إن التحديات التي يعرفها المغرب تدعو الدولة إلى القيام بالعديد من الإصلاحات المحلية وسن العديد من الاستراتيجيات قوامها اللاتمركز الفعال ،أخذا بعين الاعتبار مختلف الإشكاليات التي تعاني منها التنمية والتحديات التي تواجهها قصد إتباع استراتيجية ترابية على المدى القريب والبعيد.
الخلاصة الثانية : أن النهوض بمستوى التنمية الترابية في المملكة المغربية يعتبر أحد الأهداف الرئيسية والجوهرية التي من أجلها نهج المغرب أسلوب اللاتمركز الإداري ومن شأن الرفع من هذا المستوى أن يعالج إشكالية التفاوتات المجالية ويحقق لنا عدالة مجالية من شأنها أن تكون مدخلا للدولة الاجتماعية .
الخلاصة الثالثة :إن التخطيط الاستراتيجي الجهوي أصبح اليوم قاطرة للتنمية الترابية بالجهة ومن شأن تطوير الياته وتدبيره تدبيرا ناجعا أن يرفع لنا من مؤشرات التنمية الجهوية التي يمكنها أن تكون مدخلا لتحقيق الإصلاحات العميقة التي تصبو إليها الدولة .
- لائحة المراجع والهوامش :
1-انظر “سعيد احرود التنمية الترابية بالمغرب بين تحكيم الدولة ومساهمة الجماعات الترابية “رسالة لنيل شهادة الماستر في القانون العام .جامعة عبد المالك السعدي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية 2014/*2015ص15و16و17
2- انظر حجيبة الزيتوني” الجهة والإصلاح الجهوي بالمغرب “ط1مطبعة طوب بريس الرباط-2011
3- انظرعبد العزيز اشركي “الجهوية الموسعة ونمط جديد للحكامة الترابية “ط1مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء 2011
4-انظر عبد الكبير يحيا “تقسيم التراب والسياسة الجهوية بالمغرب نحو اعتماد جهوية سياسية “منشورات المجلة المغربية للإداروة والتنمية دار النشر ط1 العدد84/2010
5-انظر رشيد اجلاب “دور اللاتمركز الواسع في مشاريع التنمية الترابية بالمغرب “اطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام كلية العلوم القانونيوة والاقتصادية والاجدتماعية بطنجة .السنة الجامعية 2015-2016
- انظر حميد الماموني ” العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية على ضوء دستور 2011″رسالة لنيل الماستر تخصص الدراسات الإدارية والمالية . جامعة محمد الخامس كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية اكدال -الرباط السنة الجامعية 2013/2014
- انظر تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي “متطلبات الجهوية المتقدمة وتحديات إدماج السياسات القطاعية رقم 22 .سنة 2016
- انظر رشيد السعيد “مدى مساهمة اللامركزية واللاتمركز الإداري في دعم الجهوية “أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق جامعة محمد الخامس كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ص 48
- انظر الظهير الشريف رقم 1.97.84.الصادر في 23 ذي القعدة 1417 02 ابريل 1997 تنفيذ القانون 47
- مرجع سابق
- انظر تقرير اللجنة الاستشارية حول الجهوية المتقدمة 2011منشور على الموقع www.reginalisationavance .ma
- مرجع سابق
- انظر كريم الشكاري “الجهوية المتقدمة بين مقتضيات الدستور المغربي وأفاق الوضع الجديد “مقال منشور بموقع العلوم القانونية
– 13انظر مقال “التنمية المحلية بالمغرب من الجهوية الإدارية إلى الجهوية السياسية ” ذ طارق اتلاتي أستاذ جامعي بجامعة الحسن الثاني اكدال – الرباط ص 39
14- نفسه ص 39
15- نفسه ص40
16-انظر مقال “التقطيع الجهوي وإشكالية انشطار التراب المحلي بين الحدود الإدارية والمجال الوظيفي ،حالة بني ملال خنيفرة واز غار زيان” للدكتور سعيد كمني .عبد الله الجوي .الأنصاري إبراهيم ،مجلة الدراسات الإفريقية وحوض النيل العدد السادس أكتوبر 2019،مجلد 2 المركز الديمقراطي العربي –برلين ص 51
17- نفسه ص 51
18- نفسه ص 52
19- نفسه ص 53
20- انظر محاضرات الأستاذ الجامعي لزعر محمد حول الجهة والجهوية كرونولوجيا التصميم الجهوي في المغرب ص5
21 نفسه ص 6 22 انظر موضوع حول “متطلبات الحكامة الترابية “للباحثين سليم القياس ورضوان قاف تحت إشراف الدكتور محمد المودن

باحث قي مركز الدكتوراه مختبر بيئة.تراب.تنمية بكلية العلوم الانسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة
تعليقات الزوار ( 0 )