في خطوة تعكس مرة أخرى عمق الروابط الثقافية والدينية لسكان سبتة ومليلية مع المغرب، يتزايد الدعم داخل المدينتين لمبادرة الملك محمد السادس بشأن تعليق الاحتفال بعيد الأضحى لهذا العام.
وبينما تواصل وسائل الإعلام الإسبانية اتهام المغرب بمحاولة التأثير على سكان المدينتين، فإن الحقيقة التي تغفل عنها هذه التقارير هي أن الهوية المغربية لسكان سبتة ومليلية تتجاوز وثائق السفر، وتجسد نفسها في كل المناسبات الدينية والروحية.
ولم يكن قرار العديد من سكان سبتة ومليلية بالاحتفال بعيد الفطر يوم 31 مارس، تماشياً مع المغرب، سوى دليل آخر على هذا الارتباط العميق.
فقد اختار السكان تجاهل إعلان اللجنة الإسلامية الإسبانية الذي حدد العيد في 30 مارس وفقاً لرؤية الهلال في السعودية، وهو قرار أثار جدلاً واسعاً بعد أن أكدت مراكز فلكية استحالة رؤية الهلال من نصف الكرة الشرقي في ذلك اليوم.
ويؤكد هذا التحرك أن المسلمين في المدينتين يفضلون تحديد أعيادهم بناءً على المرجعية المغربية، لا الإسبانية، وهو ما يدفع للتساؤل حول الهوية الدينية والوطنية لهؤلاء السكان: هل هم إسبان بالكامل، مغاربة الهوى، أم كيان ثقافي مستقل بين الهويتين؟
ومع تفاقم أزمة الجفاف في المغرب وارتفاع أسعار الأضاحي، أصدر الملك محمد السادس توجيهات بتعليق شعيرة الذبح في عيد الأضحى لهذا العام، بهدف تخفيف الضغط على السوق وحماية الثروة الحيوانية.
وسرعان ما وجد هذا القرار صدى لدى المسلمين في سبتة ومليلية، حيث دعمت عدة جمعيات إسلامية المبادرة، معتبرة أن التضامن مع المغرب أولى من التقيد بالأعراف التقليدية.
وصرحت جمعية مستهلكي الحلال في سبتة، بقيادة عبد المالك محمد عمار، بأن “من غير المنطقي اتباع توجيهات دولة تبعد ستة آلاف كيلومتر (في إشارة إلى السعودية)، بينما لدينا بلد شقيق على بعد أمتار”.
أما في مليلية، فقد أعلنت الجالية المسلمة، ممثلة بمحمد أحمد، عن تأييدها للقرار الملكي، معتبرة إياه “تدبيراً عقلانياً” في ظل الظروف الراهنة.
ولا يقتصر التأثير المغربي في سبتة ومليلية على المناسبات الدينية، بل يمتد إلى هيكلة المشهد الإسلامي ككل. إذ تموّل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية 95 إماماً و34 مسجداً في سبتة، إلى جانب 58 إماماً و17 مسجداً في مليلية، دون أن تواجه هذه الخطوة أي معارضة رسمية من السلطات الإسبانية.
ورغم هذا الحضور المغربي الواضح، فإن اللجنة الإسلامية الإسبانية في المدينتين تجنبت اتخاذ موقف واضح بشأن تعليق عيد الأضحى.
ففي حين وصف حميدو محمد من لجنة سبتة الأمر بأنه “مسألة معقدة”، فضل فريد بن حدي، ممثل مليلية، عدم الإدلاء بأي تعليق.
ويثير هذا الوضع تساؤلات عميقة حول مدى سيطرة إسبانيا الفعلية على الشأن الديني والرمزي في سبتة ومليلية. فبينما تستعد السلطات المحلية لتوفير مسالخ متنقلة للعيد، فإن التقديرات تشير إلى تراجع كبير في أعداد المشاركين في النحر إذا استمر الالتزام بتوصيات العاهل المغربي.
كما سلطت صحيفة El Confidencial الإسبانية الضوء على التداعيات الاقتصادية للقرار، مشيرة إلى أنه أدى إلى انخفاض أسعار الأغنام في إسبانيا، مما أضر بمربي الماشية الذين صدّروا 850 ألف رأس إلى المغرب العام الماضي.
غير أن هذا الجدل الاقتصادي لا يمكن فصله عن الجدل الأكبر حول الهوية والولاء الديني لسكان المدينتين، الذين يبدون أكثر انجذاباً للمغرب، حتى وهم يعيشون تحت السيادة الإسبانية.
وقد يبدو قرار تعليق عيد الأضحى في سبتة ومليلية مجرد شأن ديني، لكنه يحمل في طياته أبعاداً أعمق تتعلق بالهوية والانتماء، فمع كل مناسبة دينية، تبرز معالم الانجذاب المغربي لسكان المدينتين، في ظل تراجع قدرة مدريد على فرض رؤيتها الدينية والثقافية.
تعليقات الزوار ( 0 )