عُرف عن الملك الراحل الحسن الثاني، طيب الله ثراه مقولة شهيرة قال فيها : “عندما يغادر يهودي مغربي بلده نخسر مقيما، ولكننا نربح سفيراً”، هذا هو المعنى الجميل الذي ينطبق اليوم، على السفير الاسرائيلي، والقائم بالأعمال لدى المغرب، دافيد غوفرين، الذي ظهر أخيرا في فيديو على منصات التواصل الاجتماعي، يقول فيه، بنبرة كلها فرح واعتزاز بالهوية المغرببة الأصيلة، المتعددة الروافد، “اليوم ارتديت الجلباب المغربي، وشعرت بسعادة كبيرة، حينما تأملت في سبب سعادتي، وجدت أنه رائع أن أرتدي لباسا أنيقا، فاخرا، وأيضا يفوح منه عبق تاريخ عريق، فعلا التراث، والثقافة والفنون في المغرب كنز لا يفنى”، بهذا الكلام، عبر السفير، ديفيد غوفرين، عن شكره للمغاربة وسعادته بمقامه بينهم، وبحفاوة الاستقبال الذي خصوه به منذ وصوله للمملكة المغربية الشريفة.
وقال غوفرين مخاطبا المغاربة، في نفس الفيديو : “يشرفني أن أشغل منصبي الدبلوماسي في بلد مهم مثل بلدكم، الذي سبق أن زرته قبل عشر سنوات، لأول مرة في حياتي”، مضيفا: “أرضكم أرض مباركة، ولن أنسى أول يوم لي هنا في المغرب. استقبلتموني بحفاوة، وقلتم لي الدار دارك”.
وتابع السفير الاسرائيلي بنبرة كلها سعادة: “الشعب اليهودي سيذكر دوما أن السلطان محمد الخامس حمى الطائفة اليهودية في المغرب من نازية هتلر، وأن الملك الحسن الثاني كان حريصا على الإبقاء على صلة الرحم بين المغرب واليهود حتى بعد رحيلهم، وساهم في إقناع الرئيس المصري الراحل أنور السادات على عقد اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل. فيما لا يقل جلالة الملك محمد السادس نصره الله شجاعة وتسامحا عن جده ووالده، لذلك كان العاشر من دجنبر 2020، ليس فقط يوما للإعلان عن قرار استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل، بل، أيضا، يوما يجسد تفرد وتميز المملكة”.
السفير الإسرائيلي بالرباط، الذي اشتغل سفيرا سابقا في مصر ومستشارا سياسيا في السفارة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة في نيويورك، ورئيس قسم الأردن في وزارة الخارجية الإسرائيلية، فسر سبب حلم سفراء العالم وحبهم للعمل بالمغرب قائلا: “لديكم أجمل غروب في العالم شاهدته في صحرائكم. مدينة الشاون الزرقاء تصنف واحدة من أجمل ست مدن في العالم، ومراكش الحمراء لا تزال تحمل سحر التاريخ. المطبخ المغربي من أشهر المطابخ في العالم.
حتى الكسكس يعرف عالميا بأنه مغربي. ولباسكم، القفطان والجلباب من أشهر الأزياء في العالم. وأنا سعيد بارتداء هذا الجلباب المغربي الأنيق. كما أن لديكم طبيعة ساحرة: الجبل والشمس والبحر والثلج والصحراء والسهول. كل هذا في مكان واحد، اسمه المغرب. وفوق كل هذا، فالشعب المغربي معروف في العالم بأنه شعب كريم، مضياف، ودود ومتسامح. منذ ثلاثة آلاف سنة واليهود يعيشون على أرض هذا البلد الامن”.
لقد كشفنا سابقا، أن الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحراءه، وتوقيع اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية، وقرار استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل، هي ليست أحداث ديبلوماسية عادية، بل انتصارات تحمل في عمقها رسالة حضارية ستقودها المملكة المغربية تحت قيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، في القادم من الأيام.
لماذا قلنا هذا الكلام، لأننا واثقون، بأن المغرب عندما يقدم نفسه، كأرض للسلام والتعايش، فهو عريق في ذلك، ودولة لها هوية وطنية، متعددة الروافد الثقافية، تتعايش خلالها جميع الديانات والثقافات، فهو نقطة التقاء تاريخي، بين المحيطات، وهو بموقعه الاستراتيجي الهام، يعد صلة وصل بارزة، بين أوروبا وافريقيا وكذلك بين أمريكا والشرق الأوسط، لم يعد التعايش بين الأديان، وتسامح المملكة، استثناء، بل هو طابع مغربي متأصل في تاريخ هذا البلد السعيد، كرس واقعا ملموسا سمته التسامح الإنساني في أبهى صوره، لأنه نابع من إرادة سياسية ووعي جماعي في المجتمع المغربي، أصبح مع مرور الزمان، أحد مقومات الانفتاح المتسامح، حتى أصبح هذا التعايش المغربي على مر القرون، مكونا رئيسيا في بناء وإثراء الهوية المغربية الغنية والمتنوعة والمتعددة و المتفردة أيضا، ليصبح المغرب بهذا المعنى غنيا بتاريخه والالتزام الراسخ لقيادته السياسية الحكيمة، بقيم ومبادئ السلام والإنسانية والاحترام المتبادل، وخلق جسور التفاهم والتعاون الدولي، من منطلق رابح- رابح.
أعتقد أن افتخار السفير الإسرائيلي، في هذه الإطلالة، بالمملكة المغربية، وفرحه بحلوله بين ظهرانينا، هو نتيجة طبيعية، للاهتمام الملكي بالحفاظ على المكون العبري للهوية الوطنية وتعزيزه، وتثبيته، منذ أن أطلق صاحب الجلالة الملك محمد السادس، كأمير المؤمنين، لبرنامج واسع النطاق استهدف إعادة تأهيل أماكن العبادة اليهودية مثل كنيس “صلاة الفاسيين” بفاس المصنف ضمن التراث العالمي لليونسكو. وهي المبادرة الملكية الهامة، التي تعد مثالا يحتذى يؤكد العناية الفائقة بتأهيل التراث اليهودي المغربي، وهو ما جسده تحديث الحي اليهودي (حي السلام) في مراكش ، الذي استفاد في عام 2017 من أعمال إعادة التأهيل ليتم تغيير اسمه إلى الملاح ، وكذا حي الملاح في الصويرة والذي تتم إعادة تأهيله في إطار مشروع إعادة تأهيل وتطوير المدينة ككل. نفس الاهتمام الملكي، ينطبق على المقابر اليهودية بالمغرب التي استفادت بفضل التعليمات الملكية السامية، من برنامج إعادة تأهيل حقيقي، على غرار مقبرة الجديدة الذي يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر، والتي تضم ضريح الحاخام يحيى حاييم أسولين.
ودائما في نفس السياق، ترأس جلالة الملك في أبريل 2019 حفل إعطاء انطلاقة أشغال بناء متحف للثقافة اليهودية، الذي يندرج في إطار البرنامج التكميلي لتثمين المدينة العتيقة لفاس. وهو فضاء متحفي ينضاف إلى المتحف اليهودي بالدار البيضاء الذي يضم تحفا تشهد على حياة اليهود بالمغرب منذ ألفي سنة. كل هذه المبادرات الملكية السامية، تعكس إرادة مغربية للحفاظ على الذاكرة اليهودية المغربية في قلب المدن المغربية العريقة.
إن المبادرات والجهود المغربية لصيانة التراث اليهودي والحفاظ عليه من الاندثار متعددة ومتنوعة، فالمملكة تعرف منذ سنوات ورشات مستمرة للحفاظ على الموروث اليهودي، وتعزيزه وحمايته من الاندثار، لأن اليهود المغاربة كانوا ولا يزالون من أهم مكونات المجتمع المغربي، فالمغرب، بلاد تزخر بثقافة عبرية عريقة، تكرست حمايتها دستوريا عمليا و علميا، واليوم تتعزز سياسيا من خلال الانتصارات الديبلوماسية الباهرة.
لقد نص دستور 2011، على أهمية الرافد العبري في الثقافة المغربية، واعتبره جزءا لا يتجزأ منها ويغني مكونات الهوية الوطنية، مُشددا في ديباجته أن “المغرب دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية – الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الأفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية”.
ومن تم شكل دستور المملكة سنة 2011، استثناء مغربيا متفردا، حين استحضر المكون اليهودي كجزء لا يتجزأ من مكونات المملكة، وليس هذا غريبا على المغرب، كدولة تعاقبت عليها منذ ثلاثة آلاف سنة العديد من الحضارات ولغات وثقافات وأديان جاءته من الشرق والغرب على السواء، كالبونيقية والفينيقية واللاتينية واليهودية والمسيحية والعربية والإسلام، بالإضافة إلى الفرنسية والإسبانية والبرتغالية، ورغم أن بعض هذه الثقافات انقرضت، لكن بعض بصماتها وعلاماتها لا تزال حاضرة في الثقافة المغربية ولو في شكل ألفاظ أمازيغية ترجع جذورها المعجمية إلى هذه الثقافات القديمة. فالحديث اليوم عن الوجود اليهودي بالمغرب، هو حديث يمتد لأكثر من ألفي عام، لأن معالم تراثه لا تزال موجودة إلى اليوم من خلال بعض المواقع التاريخية والمعابد والتجمعات السكنية كالملاح ومختلف التعابير الثقافية والفنية، فهو شهادة على تاريخ مشترك ومتعدد الأبعاد وكان كذلك إضافة أخرى للثقافة المغربية التي جمعت بين العديد من المكونات والروافد المتنوعة والغزيرة التي يضيق الحيز للتحدث عنها كلها.
فالرافد العبري بالمغرب يمتد لقرون خلت، فالجماعات اليهودية كانت موجودة بكل المناطق المغربية مما جعل الثقافة العبرية قيمة مضافة للتنوع الثقافي المغربي، وهو ما تظهره العديد من الإبداعات والإنتاجات كالمخطوطات المكتوبة بالعبرية، والمؤلفات شاهدة على هذا التنوع، والمكون الهام من مكونات الهوية المغربية الأصيلة، وهو الأمر الذي يحتاج منا لإبرازه، والانخراط في هذه الدينامية الديبلوماسية التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، حتى نكون واعين بالتحولات الإستراتيجية لهذا الانفتاح المغربي الراسخ، والذي سيأتي لا محالة بانتصارات أخرى أكثر أهمية.
رئيس غرفة التجارة البرازيلية المغربية بالمغرب
رئيس مجموعة رؤى فيزيون الإستراتيجية
رئيس جمعية رؤى للتنمية والكفاءات
تعليقات الزوار ( 0 )