Share
  • Link copied

الجزائر .. نشيدان وطنيان، الشاعر الكبير مفدي زكرياء يقف ضد هواري بومدين ويؤيد المسيرة الخضراء لاسترجاع الصحراء المغربية!!

قسماً بالنازلات الماحقات **** والدماء الزاكيات الطاهرات

والبنود اللامعات الخافقات **** في الجبال الشامخات الشاهقات

نحن ثُرنا فحياةٌ أو ممات **** وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

فاشهدوا … فاشهدوا … فاشهدوا.

بهذا المطلع الأخاذ، يبدأ النشيد الوطني الجزائري الرائع، الذي نظمه الشاعر المبدع والخطيب المِصقع مفدي زكريا رحمه الله.

هذا النشيد لم ينظمه الشاعر في فنادق خمس نجوم أو على هامش مؤتمرات اتحاد الكتاب، بل نظمه تحت أقبية السجون وبين أسوارها وخلف أبوابها، وأبياته وكلماته تعكس نفسية الشاعر التواقة إلى الحرية؛ حرية الجزائر؛ كما تدل على عزةٍ وأنفة وإباء لا يعرف الخضوع لفرنسا صاحبة الإجرام المسطور والمنظور في أرض مزغنة وما حولها شرقا وغربا وجنوبا.

تحت سطوة الكرباج الفرنسي رفع الشاعر العظيم صوته الجهوري في وجه فرنسا صادحا دون خوف أو وجل:

يا فرنسا قد مضى وقت العتاب **** وطويناه كما يطوى الكتاب

يا فرنسا إن ذا يوم الحساب **** فاستعدي وخذي منا الجواب

إن في ثورتنا فصل الخطاب **** وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

فاشهدوا … فاشهدوا … فاشهدوا.

بعد مدة وجيزة، قررت الجزائر الرسمية والشعبية تبني هذه القصيدة لتصير النشيد الوطني للدولة الرسمية، وزاد النشيد جمالا وبهاء ورونقا بألحانه التي لا تقل ثوريةً عن كلماته، وهي ألحان الفنان محمد فوزي.

وبعد فترة يسيرة، استولى أبناء فرنسا وأحفاد فرنسا وخدام فرنسا على مناصب المسؤولية في ملحقة فرنسا السابقة، ولم يكن هذا المقطع من النشيد ليرضيهم، فآثروا حذفه لما له من أثر سلبي على نفسيتهم.

الآن، تعرف العلاقات الفرنسية الجزائرية بعض التوتر، واحتاج حكام الجزائر إرسال بعض الرسائل إلى الجار الشمالي، فصدر مرسوم رئاسي غريب عجيب، تصير بمقتضاه دولة الجزائر دولة فريدةً في العالم، فصار لها نشيدان وطنيان، أحدهما مطول يضم الفقرة المذكورة، وأحدهما مختصر لا يضمها.

طالب المرسوم الرئاسي للرئيس عبد المجيد تبون بإلزامية أداء النشيد أداء كاملا بكل مقاطعه وفقراته، لكنه في المقابل، سمح بأداء الصيغة المختصرة من النشيد [أي: الصيغة غير المتضمنة لمقطع فرنسا] في مناسبات معينة كاستقبال الرؤساء خلال الزيارات الرسمية، أو الخطابات التي يوجهها الرئيس إلى الأمة، أو المراسيم العسكرية لوزارة الدفاع.

ماذا نفهم من هذا القرار؟

أولا: النشيد الكامل لا يُتبنى في الحفلات الرسمية المهمة، مثل فعاليات رئيس الجمهورية أو الجيش أو استقبال الرؤساء، مما يعني أن هذا القرار موجه بالدرجة الأولى إلى الداخل لدغدغة عواطف الشعب واختلاق مجد وهمي داخلي.

ثانيا: عدم التبني للنشيد الكامل في فعاليات وزارة الدفاع يدل بوضوح على أن ذلك المقطع لا يندرج ضمن العقيدة العسكرية لمؤسسة الجيش، فمن الذي سيعمل على أجرأة البيت:

[يا فرنسا إن ذا يوم الحساب **** فاستعدي وخذي منا الجواب

ثالثا: من الذي سيحاسب فرنسا؟ ومن الذي سيعطيها الجواب؟

هل الجيش؟

الجيش لا يتبنى هذا المقطع بناء على هذا القرار الرئاسي.

هل الرئيس؟

الرئيس لا يتبناه في أنشطته الرسمية بناء على القرار ذاته.

بقي الشعب المسكين لوحده، هو الذي وُجّه له هذا المقطع، وهو الذي سيعمل على تطبيقه عن طريق الهجرة السرية لتغيير الواقع الديمغرافي لفرنسا.

هذا هو الحساب الذي لم يدر بخلد الشاعر مفدي زكريا رحمه الله.

والدليل على أن المستهدف الرئيس من هذا التعديل هو دغدغة عواطف الشعب الجزائري وصناعة مجد وهمي أمامه، أن السلطات الجزائرية تعرف سوابق مماثلة لهذا الصنيع، حيث سبق للشاذلي بن جديد أن حذف هذا المقطع في الثمانينيات، لأن أبناء فرنسا كانوا في مراكز القوة الحقيقية مثل خالد نزار وغيره، ولما ضعفت السلطة المركزية أمام الشعب بعد انفلات الأمور في بداية العشرية، أرادت أن تتقوى رمزيا أمام الشعب فلم تجد بدا من إرجاع ذلك المقطع سنة 1995 بقرار من الرئيس ليمين زروال، وبعد استتباب الأمر للسلطة وتغولها في عهد ما سمي بالعصابة، تم حذف ذلك المقطع سنة 2007 من الكتب الدراسية.

إذن، نحن أمام مقطع من نشيد وطني يُستعمل لنوائب الدهر وحسب تقلبات الزمان مدا أو جزرا، ولسنا أما قرار مبدئي يعكس قناعة السلطة الجزائرية الرسمية، لذا، فإننا لن نستغرب من قرار لاحق في السنوات القادمة يقضي بحذف هذا المقطع من النشيد ويُرجع للجزائر نشيدا واحدا لا نشيدين.

الشاعر مفدي زكريا رجل إجماع

بقي أن نشير إلى أن الشاعر مفدي زكريا هو رجل إجماع في الجزائر، فهو رجل مقرب من أبي الوطنية الجزائرية مصالي الحاج، ولما اندلعت الثورة انضم إليها خلافا لمصالي، فكان المصاليون يقاتلون تحت نشيد “فداء الجزائر”، وكانت جبهة التحرير تناضل تحت نشيد “قسما” الذي صار نشيدا وطنيا، وكلاهما للشاعر مفدي زكريا.

والشاعر مفدي زكريا رجل إجماع خارج الجزائر أيضا، فهو رجل وحدوي، عاش متنقلا بين المغرب وتونس، ورثى محمدا الخامس ومدح الحسن الثاني والحبيب بورقيبة وتغنى بأمجاد المغرب وتونس.

مفدي زكريا وهواري بومدين

الشخص الوحيد الذي لا يحترم مفدي زكريا هو هواري بومدين، لأن هذا الأخير كان يعيش بنار حقد مشتعلة بين جوانبه تجاه أحمد بنبلة والحسن الثاني والحبيب بورقيبة وغيرهم. كما أنه كان يتوهم نفسه باني المجد وصاحب الصولجان الأسطوري، فكان لزاما على الشعراء أن ينظموا القصائد عن بطولاته.

لكن مفدي زكريا رفض أن يمدح الثورات البومدينية ويثني عليها (الثورة الثقافية والثورة الزراعية والثورة الصناعية)، وقد بقي هذا الرفض غصة في حلق بومدين، إضافة إلى أن مفدي لم يستسغ الانقلاب غير الأخلاقي الذي قام به بومدين ضد رفيقه بنبلة، وهذا ما فرض عليه المنفى المتنقل بين المغرب والجزائر، وزاد من حنق بومدين على الشاعر مفدي زكريا أن هذا الأخير نظم القصائد في مدح الحسن الثاني والحبيب بورقيبة، فكانت قصائد المديح تلك رسائل سياسية واضحة لهواري بومدين، فكان لزاما على هذا الرئيس المتغطرس أن يتخذ موقفا حازما وحاسما، فقرر تغيير النشيد الوطني برمته، ليُعفى من سماع كلمات مفدي زكريا صباح مساء وفي كل المنتديات والفعاليات، فنظمت الدولة مسابقة لأحسن نشيد وطني سنة 1966، وأُسند الإشراف عليها لمستشار الرئيس مولود قاسم، ولم يفز في المحصلة إلا نشيد آخر لمفدي زكريا أيضا، فما كان لبومدين إلا أن قال لهم: اتركوه. أي اتركوا النشيد الوطني دون تغيير.

بعد هذا الحادث، واصل مفدي زكريا توجيه قنابل سياسية/أدبية إلى ساكن المرادية، لكن القنبلة الأكثر إيلاما لم تكن سوى تأييده للمسيرة الخضراء ونظم القصيدة تلو القصيدة لدعمها وتأييد الحسن الثاني صاحب فكرتها، وكان هذا التأييد بمثابة الجريمة التي لا تغتفر في منطق النظام الجزائري الذي ليست له من قضية سوى تفتيت الجنوب المغربي وإحداث دويلة على مقاسه هناك.

وهنا نقف على السريالية: الوطني الجزائري والمناضل الجزائري والوحدوي الجزائري وصاحب النشيد الوطني الجزائري يؤيد مغربية الصحراء، والنظام الجزائري يعارض مغربية الصحراء.

فهل يدرك العسكر الجزائري أنهم حين يقفون إجلالا واحتراما لنشيدهم الوطني فإنهم يعاكسون في اللحظة ذاتها صاحب ذلك النشيد وأفكاره وآراءه؟

ومما قاله الشاعر مفدي زكريا حول المسيرة الخضراء:

 صحراؤنا دنس الغربان حرمتـــها ****** وخانها من إلى جلادها ركــــنوا
قالوا : براح، وفي دعواهموا كذبـوا، ***** لا بدع، فالمين من أخلاقهم سنـــن
سائلوا الوثائق، فالتاريخ يحفظـــها ****** وسائلو الكون عنها يشهد الزمـــن
واستفتت (لاهاي) واستنطق نزاهتها ****** تنبئك من نبتوا فيها ومن سكنـــوا
دم المغاربة الأبطال ضمخـــها ****** وما استكانوا لظلام وما وهنـــوا
قالوا : اقتراع، فقلنا: بل نقارعكـم ****** فتهزمون، ويبقى اللحد والكفـــن

وهو في هذه القصيدة يحيل على الوثائق التاريخية التي يطالب بمساءلتها واستنطاقها لمعرفة مغربية الصحراء، كما يحيل على الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بلاهاي، وهو الرأي الذي ارتكز على عنصر البيعة باعتباره الرابط الموجود بين الشعب الصحراوي والسلاطين المغاربة.

Share
  • Link copied
المقال التالي