عبارة “dérogation” بالفرنسية تعني “استثناء” أو “إعفاء خاص”. وغالبا ما تُستخدم للإشارة إلى حالة يُسمح فيها بعدم تطبيق قاعدة أو قانون معيّن على شخص أو جهة معينة، لأسباب خاصة أو ظروف استثنائية.
في مجال البناء في المغرب، عندما تمنح وزارة الداخلية “dérogation” لبعض المنعشين العقاريين، فذلك يعني أنها تُصدر لهم ترخيصًا استثنائيًا يسمح لهم ببناء مشروع معين أو القيام بأشغال لا يُسمح بها عادة حسب وثائق التعمير العادية (مثل تصميم التهيئة أو قانون البناء).
قد تكون وثائق التعمير لا تسمح ببناء أكثر من 3 طوابق في حي معين، لكن الوزارة تمنح “dérogation” تسمح ببناء 5 طوابق.
أو تمنح استثناء لبناء نوع معيّن من المشاريع (سياحية، تجارية…) في منطقة مخصصة للسكن فقط.
هذا الاستثناء يكون غالبًا مبنيًا على مبررات اقتصادية، اجتماعية أو سياسية، أو لدفع الاستثمار في منطقة معينة.
- شروط الحصول على “dérogation” في القانون المغربي:
في القانون المغربي، لا يوجد نص قانوني واحد ينظم “dérogation” بشكل شامل، لكنها تُمارس على أساس:
المرسوم رقم 2.92.832 بتاريخ 14 أكتوبر 1993، المتعلق بالموافقة على وثائق التعمير.
قانون التعمير (القانون 12.90).
قانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية.
دوريات وزارية صادرة عن وزارة الداخلية أو التعمير تنظم الإجراءات العملية.
الشروط الأساسية عادة تكون:
أن يكون المشروع ذا طابع خاص (اقتصادي، سياحي، اجتماعي…).
أن يكون له أثر إيجابي على المنطقة (تشغيل، خدمات…).
عدم توفر وثائق التعمير المفصلة (مثلاً تصميم التهيئة غير مصادق عليه بعد).
تقديم طلب مرفق بالتصاميم والدراسات اللازمة.
موافقة اللجنة الإقليمية للتعمير، برئاسة العامل أو الوالي، وعضوية ممثلين عن مختلف المصالح (الوكالة الحضرية، الجماعة، المحافظة…).
- هل تُحترم هذه الشروط من طرف الجهات المختصة؟
في الوثائق والمبادئ الرسمية، نعم. لكن في الواقع العملي، هناك الكثير من الانتقادات من بينها:
أن “dérogations” تمنح أحيانًا لمشاريع لا تستوفي فعليًا الشروط المطلوبة.
غياب معايير شفافة وواضحة يجعل العملية عرضة للتأويل والتجاوزات.
الجمعيات المهنية والحقوقية طالبت غير ما مرة بإصلاح هذه الآلية بسبب ما يعتبرونه “استثناء يتحول إلى قاعدة”.
بعض المشاريع تحصل على “dérogation” بسرعة، وأخرى تُرفض بدون توضيح.
- هل هناك وسطاء في الموضوع؟
للأسف، الواقع يشير إلى وجود وسطاء (لوبيات) في بعض الحالات:
علاقات شخصية مع مسؤولين.
استعمال النفوذ أو الرشوة لتسريع المساطر أو التأثير في القرار.
وجود شبكات غير رسمية تسهّل الحصول على “dérogation” مقابل مقابل مادي أو خدمات.
لكن من جهة أخرى، هناك منعشين محترفين يتحصلون على “dérogation” بطريقة قانونية ومنظمة، خصوصًا عندما يكون المشروع مهمًا وملائمًا من حيث التصميم والدراسة.
ما هي التأثيرات هذا النوع من الممارسات ( الوساطة) على التنافسية في مجال التعمير وعلى الاقتصاد والبيئة؟
- التأثير على التنافسية:
غياب تكافؤ الفرص: عندما يُمنح الاستثناء لمنعش دون آخر، بناءً على علاقات أو وسطاء، فإن المنعشين الآخرين يُقصَون من السوق، رغم أن مشاريعهم قد تكون أفضل من حيث الجودة أو الفائدة العامة.
تشجيع الاحتكار والمضاربات العقارية: بعض المنعشين الكبار يحصلون على تسهيلات استثنائية، ما يجعلهم يسيطرون على السوق بأسعار منخفضة أو شروط لا يستطيع الآخرون منافستها.
ضرب مبدأ التخطيط الحضري: عندما يُفتح باب الاستثناءات بشكل غير منظم، يُصبح من الصعب الالتزام برؤية شاملة متكاملة للمدينة أو الجهة.
- التأثير على البيئة:
خرق مبادئ التهيئة البيئية: قد تُمنح “dérogation” لبناء في مناطق غير مهيأة (غابات، مجاري مائية، مناطق حساسة)، مما يؤدي إلى تدهور الموارد الطبيعية.
ضغط غير محسوب على البنية التحتية: مشاريع استثنائية في مناطق غير مهيأة قد تسبب اكتظاظًا مرورياً، نقصًا في الماء والكهرباء، مشاكل صرف صحي…
زيادة التلوث والعشوائية: البناء غير المتناسق مع التصاميم الأصلية يؤدي إلى مدن غير متوازنة من حيث الفضاء الأخضر، التهوية، الراحة البيئية…
- التأثير على الاقتصاد:
تشجيع الريع العقاري: الاستثناءات قد ترفع قيمة أراضٍ عادية بمجرد الترخيص ببناء استثنائي، مما يغذي اقتصاد الريع بدل الاستثمار المنتج.
إضعاف ثقة المستثمرين الشرفاء: عندما يُلاحظ أن الاستثناءات تُمنح بطرق غير شفافة، فإن المستثمرين النزيهين يفقدون الثقة في بيئة الاستثمار ويبحثون عن وجهات أخرى.
تشويه سوق العقار: ارتفاع أو انخفاض غير مبرر في الأسعار، بناءً على استثناءات، يؤدي إلى سوق غير متوازن وغير عادل للمواطنين والمستثمرين.
بشكل عام يمكن القول أن الاستثناءات في التعمير ليست دائمًا سلبية، لكن عندما تُمارَس بشكل غير شفاف وغير منظم، فإنها تؤدي إلى نتائج خطيرة على العدالة الاقتصادية، جودة العيش، والعدالة المجالية.
كيف يمكن تجاوز إشكال سوء استخدام dérogations؟
تجاوز إشكال سوء استخدام “dérogations” في التعمير يتطلب إصلاحًا شاملاً على عدة مستويات.
- إصلاح الإطار القانوني والتنظيمي:
وضع قانون واضح ومفصل ينظم “dérogation”: يحدد الحالات التي يمكن فيها منح الاستثناء، الجهات المخولة، المساطر، والآجال، بدل تركها مفتوحة لتقديرات شخصية.
الحد من اللجوء إلى الاستثناءات: وجعلها حصرًا في ظروف استثنائية لها مبررات تنموية واضحة.
- رقمنة المساطر وتعزيز الشفافية:
رقمنة طلبات ومداولات منح “dérogations”، وإتاحة تتبع الملفات للمواطنين والمنعشين عبر منصات إلكترونية.
نشر قرارات منح الاستثناءات وتعليلها للرأي العام، مع بيان الجهة التي وافقت، والسبب القانوني.
- مراقبة ومحاسبة الجهات المعنية:
تقوية دور هيئات المراقبة مثل المفتشية العامة للإدارة الترابية، ومجالس الجهة والجماعة.
ربط المسؤولية بالمحاسبة في حالة منح استثناءات تخالف القانون أو تسبب أضرارًا بيئية أو عمرانية.
- تعزيز دور المجتمع المدني والإعلام:
تشجيع الهيئات المهنية والحقوقية على تتبع ومراقبة منح “dérogations”.
دعم الصحافة الاستقصائية لكشف التجاوزات المرتبطة بمنح تراخيص البناء خارج الإطار القانوني.
- تحسين وثائق التعمير:
تسريع وتيرة المصادقة على وثائق التهيئة (تصاميم التهيئة والتوجيه)، لتقليل الحاجة إلى الاستثناءات.
إشراك المهنيين والساكنة في إعداد هذه الوثائق لضمان أنها تواكب الحاجيات الواقعية.
- تشجيع المنافسة الشريفة:
ضمان تكافؤ الفرص لجميع المستثمرين من خلال مساطر موحدة وواضحة.
محاربة “الريع العقاري” الذي ينتج عن منح امتيازات غير مبررة لمنعشين دون غيرهم.
على سبيل الختم: الاستثناء يجب أن يبقى اسمه “استثناء”، لا أن يتحول إلى قاعدة معمّمة.
والحل يبدأ من القانون العادل، الإدارة الشفافة، والمسؤولية المشتركة.
تعليقات الزوار ( 0 )