Share
  • Link copied

الاجتماعي أفقاً للتغيير

يعتبر المجتمع ساحة عمل النظام السياسي وهو الأرضية التي تدار عليها وفيها العملية السياسية، لذلك فإن الاستقرار السياسي يتحقق عندما يحدث توازن بين النظام وبيئته الاجتماعية وفي المقابل أي خلل يصيب السياسات العامة يتردد صداه فوراً في جميع هياكل المجتمع.

مما يسعفنا القول بتدهور الوضع الاجتماعي للمغاربة، ما يجد تجسيده الواقعي في ضعف الخدمات الصحية، وانتشار دور الصفيح والسكن العشوائي على هوامش المدن، وتعاظم معدلات الفقر، وتزايد جيوش العاطلين خاصة في صفوف حاملي الشهادات، واتساع الفجوة الطبقية بين الأغنياء والفقراء وإحساس فئات عريضة من المجتمع بالإقصاء والظلم واللاعدالة واللامساواة المتولدة من عدم الاستفادة من خيرات وثروات الوطن، وهو ماعبرت عنه مختلف الحركات الاحتجاجية بشعارات مركزية: “الفوسفاط وجوج وبحورا عايشين عيشة مقهورة” ،و”بلادي ساحلية والسردين غالي عليا” و”بركا بركا من الحكرة والفساد- بركا بركا راكم شوهتو لبلاد”.

إن إشكالية العجوزات الاجتماعية بالمغرب بما يرافقها من استقرار لظاهرة الفقر، ومن تهميش للعديد من الفئات الاجتماعية ــــ هي إشكالية ذات طابع بنيوي متجذر، بفعل الحصيلة السلبية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي سادت خلال الثمانينيات والتسعينيات، بصفة خاصة، من القرن الماضي. فالهرم الاجتماعي، يميل باطراد نحو تشكل اجتماعي ثنائي مقلق، يقوم على قاعدة هرمية ممتدة من الفئات المعوزة، في مقابل قمة هرمية ضيقة من الأثرياء، وذلك في سياق تراجع وتآكل الطبقة الوسطى التي تشكل عماد التوازن الاجتماعي، وقوام الاستقرار السياسي. حيث عملت السياسات الطبقية للنظام السياسي المغربي على ضرب الطبقة الوسطى التي تدهورت أوضاعها الاجتماعية وتراجعت موقعيتها في التراتبية الاجتماعية، وضمرت مساحة انتشارها إلى حد مخيف في امتداد اتساع نطاق التهميش الاجتماعي، وانكماش الاقتصاد وإخفاق التنمية الوطنية، وتراجع الدور الاجتماعي للدولة.

ثمة إذن، شرخ عميق ازداد اتساعا في السنوات الأخيرة بين الذين هم فوق والذين هم تحت، وهو ما ينجم عنه نوع من الإقصاء الاجتماعي في شكلين مضادين، فالذين هم فوق يختارون أماكن مسيجة للإقامة وبعيدة عن كل ما له علاقة بالهامش، فيما الذين هم تحت يحكم عليهم بالتهميش في مساكنهم الهامشية أو ينقلون في أحسن الأحوال إلى أماكن أخرى أكثر هامشية، وهو ما ينتج الكثير من الصراع والجفاء الاجتماعي بين مكونات المجتمع المغربي. فكل المعطيات تؤكد أنه مغرب بطعم الهشاشة والاحتقان، وهو ما يتراءى في ارتفاع الجريمة وحالة اللاأمن، وبؤس الحوار الاجتماعي، ففي كل مناحي الحياة نكتشف أرقام تنموية مخجلة وخدمات صحية بئيسة وعرضا تعليميا مقزما وفرص اندماج قليلة وغير مجدية، والنتيجة مغرب معاق اجتماعيا.

إن هذه الشروط الاجتماعية المؤطرة للحراك الاحتجاجي المغربي، يمكن التعبير عنها بمفهوم “الحرمان النسبي” كما يقترحه “تيد روبيرت غير”، فالحرمان برأيه مسؤول عن كل أشكال العنف والاحتجاج والاختلال التي تلوح في حقول النسق. فالحرمان النسبي يشير إلى إدراك الأطراف الفاعلة في النسق، للتناقض بين توقعاتهم وقدارتهم المتعلقة بظروف الحياة التي يعتقد البشر أن لهم حق فيها. فعندما يتبلور هذا الإدراك، نكون حينئذ أمام حرمان نسبي محفز بالضرورة للعنف والاحتجاج والتمرد. إن نظرية الحرمان النسبي وان كانت قد صيغت في حقل السوسيولوجيا الأمريكية لفهم السلوك الاحتجاجي لأفراد هذا المجتمع والمجتمعات الغربية الشبيهة له، فإنها تصلح أيضا مدخلا تفسيريا أساسيا لفهم الفعل الاحتجاجي لدى المغاربة، حيث يذهب أغلب الباحثين في علم الاجتماع بالمغرب إلى القول بأن الإحساس بالحرمان النسبي يدفع بأفراد المجتمع إلى التعبير عن عدم الرضى عن الواقع من الأوضاع.

فالمغربي عندما يشعر بالظلم والقهر واللاعدالة اجتماعية، وفي كلمة واحدة عندما يشعر “بالحكرة”، يخرج محتجاً إما بشكل فردي، وهذا ما يظهر من خلال حوادث إشعال النار في الجسد، أو بشكل جماعي في إطار حركات احتجاجية، على غرار 20 فبراير وحراكي الريف وجرادة وحراك زاكورة، والحركات الاحتجاجية الفئوية. فمفهوم “الحكرة” يشكل في منظومة الفعل الاحتجاجي بالمغرب النقيض الأمثل لمفهوم “الكرامة” و “الاحترام”وكذلك مفهوم”المساواة” المرتكز على مبدأ المواطنة بدون تمييز أو إقصاء بالنظر إلى اللون أو العقيدة أو اللغة أو الجنس أو المستوى التعليمي أو التراب. لذا يتضح جليا أن مفهوم “الحكرة” يؤثث إلى جانب مفاهيم أخرى مثل الزبونية والمحسوبية والاستبداد والفساد والرشوة… إلخ، الحقل النسقي للظلم الاجتماعي في الفعل الاحتجاجي والخطاب المجتمعي المدني.

باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري

Share
  • Link copied
المقال التالي