Share
  • Link copied

حول قصة “صابون تازا” في موروث المغرب الثقافي الشفهي

بعمارة متباينة وتموقعات وأدوار ذات علاقة بجوار، تتقاسم أسوار تازة التاريخية المحيطة بمجالها العتيق أبواب اثرية شهيرة، واحدة منها موسومة ب”باب الزيتونة” بالجهة الغربية للمدينة، تلك التي لا شك أنها طوبونيميا ذات صلة بما طبع بيئتها من أشجار زيتون ببساتين ممتدة منذ القدم حتى مطلع القرن الماضي، غير بعيد عن هذا الباب على مستوى ما يعرف محليا ب”واد تازة” حيث “بوزكري” و”ماكًوسة”وغيرها من الأجراف/ ليروشي. ولعل من خلال ما ورد من إشارات بمصادر تاريخية وسيطية، وكذا بدراسات حديثة فضلا عن اثر روماني عن مغرب العصر القديم، يظهر أن ما كان منتشرا من شجر زيتون ارتبط بشمال البلاد حيث وليلي وليكسوس ومحيطهما، فضلا عن فاس وتازة التي من قبائلها التي كانت بشهرة اهتمام وعناية بهذا النوع من الشجر نجد قبيلة مكناسة. وعليه، ما كان من انتشار له بمجال امتدادها حيث فاس ومكناس وتازة، وأن درجة الاقبال على غراسته اتسع أكثر فأكثر زمن دولة الموحدين بغرض التغدية والأدهان والانارة، بدليل ما ورد من اشارة وافادة تاريخية معبرة في أحد مصادر المغرب التاريخية، حول كون غارس جل اشجار زيتون منطقة تازة هو عامل بلاد المغرب محمد بن عبد الله بن واجاج في بداية دولة الموحدين.

ويسجل عموما ما تزخر به ذاكرة تازة المادية واللامادية من بصمات واحالات وأثر ضارب في القدم، والذي منه ما لا يزال حيا متوارثا منذ قرون. ذلك الذي بقدر ما يعد جزءا من هوية مكان ومرجع حضارة وخصوصية إنسانية زاخرة بصور حياة، بقدر ما لا يزال بدون ما هو شاف من معلومة ودراسة وإبراز وتأسيس بحثي علمي. ولعل من عظمة تازة المكان والمدينة والانسان، ما هناك من حديث حول “صابون تازة” ومن ثمة السؤال حول أية قصة وأثر تاريخي، وأي موقع لهذا المعطى في زمن المدينة حيث رائحة وعبق تراث رمزي. وماذا عن طبيعة منتج وحرفة وخبرة، واية علاقة للزيتون والزيوت وصناعة الصابون بتازة الموحدية، وما حدود الخبر في المصادر وتقارير الرحالة والمستكشفين وغيرهم. بل ماذا عن حقيقة “صابون تازة” الذي سارت بذكره الركبان من حيث انتاجه وأمكنته ولونه، واية تميز جعله بما هو عليه من صدى ومقولة ورواية، واية مراحل انتاج طبعته بين جمع وخزن وعجن وطبخ وتجفبف وتقطيع ومواد مضافة ..، وهل قصة “صابون تازا” حقا جزءا من إرث المدينة الثقافي الذي يحق الفخر والاعتزاز به، وما علاقة حرفة صناعة الصابون بفترات المدينة الذهبية، وبخاصة زمن دولة بني مرين في أول امرهم السياسي، وما كانت عليه تازة من دور وقرار عاصمة البلاد المؤقتة، ومن نفوذ وسيادة  ومركز قيادة ورعاية سلطانية. ثم اية تجليات ازدهار لهذه الصناعة محليا واي عرض وطلب ورواج، وهل منتوج المادة من الصابون تازة كان يقتصر على توفير الحاجة المحلية، ام كان ينقل لجهات ومدن وأسواق أخرى من قبيل فاس لجودته، وأية أسر تازية وصناع ارتبط اسمهم بهذا النوع من الحرف، وأية تطورات وتغيرات شهدها “صابون تازة” في مغرب العصر الحديث وكذا المعاصر وبخاصة القرن التاسع عشر الميلادي، وأية أمكنة شاهدة ظلت الى غاية مطلع القرن الماضي، وأية رواية تازية حديثة حول ما هناك من حديث عن استمرارية صناعة الصابون بتازة الى عهد قريب حيث ستينات القرن. وما أثر ما هو طبيعي وبشري على أمكنة هذه الصناعة، وهل حديث الذاكرة المحلية عن “صابون تازة” في حد ذاته حديث عما تم طمسه من تاريخ وثقافة واثاث حضاري، وأية سبل رافعة لجعل تازة عبر رمزية “صابونها “ببعد أثري وأفق انساني بعد تصنيف ثراتي وطني.

وعن صابون تازة وحقيقته ومصدر صناعته، فضلا عما ورد من إشارات مصدرية خجولة حول شجرة الزينون وصناعة الصابون في مغرب العصر الوسيط هنا وهناك من مدن، ومنها ما جاء عند ابي عبيد البكري والمقديسي وابن ابي زرع والادريسي وغيرهم، وما جاء ايضا من اشارات مهتمين وباحثين تراثيين مغاربة، من قبيل الأستاذ عبد الهادي التازي لافتا الى أن تازة كانت عاصمة الصابون. من الروائيين المغاربة من ارتأى لعمله الإبداعي “صابون تازا” عنوانا، وقد استلهمه من خطاب المغاربة التراثي الشفهي المتداول، على تباين تلميحات واحالات عبارة “صابون تازة” وما تتقاسمه الذاكرة المغربية بين مدن وبوادي من “هادشي خصنا معاه صابون تازة”. ومن جملة القصص الشعبية ذات الصلة بعبارة “صابون تازة”، ما ورد في علاقة بما طبع المدينة من قوة عزيمة وشدة مقاومة للمستعمر زمن الحماية، ذلك أن السلطات المحلية الاستعمارية بتازة قامت باعتقال أحد المقاومين التازيين، والذي كان أحد صناع صابون المدينة الذي داع صيته وصدى جودته في المغرب. وهو الاجراء الاستعماري المستفز الذي كان برد فعل من أهل تازة الذين خرجوا مجتمعين محتجين صوب مكان الاعتقال، وخوفا من أن تتطور الأحداث لما لا تحمد عقباه امنيا بالمدينة والمنطقة ككل، ارتأى ضابط عسكري فرنسي مكلف بالعملية خطة ذكية للتخفيف من غضب المحتجين، قائلا لهم أن سر اعتقاله كان امتناعه وعدم التزامه بوعد انتاج صابون تازة الشهير بجودته لسيدة فرنسية هي بحاجة ماسة له. وأنه حتى ليتم اطلاق صراحه يتوجب إحضار صابون تازة الأصيل. وبعد احضار اهل تازة كمية منه فاجأهم بمكره ومناوراته أنه يتوفر على وثيقة نادرة تقول أن صابون تازة الأصيل له خمس مواصفات، أولا ما يمنحه من راحة لمستعمله، ثانيا تلميعه لشعر مستعمله، ثالثا علاجه لأمراض مستعمله الجلدية، رابعا مقاومته لتعفنات مستعمله الجلدية، ثم خامسا اطالته لشعر مستعمله بشكل عجيب. وعليه اشترط هذا الضابط على اهل تازة من المحتجين تجريب ما أتوا به من صابون خلال ثلاثة أيام قبل إطلاق سراح معتقلهم، الا انه بعد رجوعهم بعد ثلاثة أيام قدم لهم الضابط سيدة فرنسية قالت أن ما جاءوا به من صابون ليس صابون تازة الأصيل. وبعدما حملوا مرة أخرى نوعا من اجود صابون محلات المدينة دون جدوى، ذهلوا بخبر وفاة ابن مدينتهم المعتقل واحد صناع صابون تازة في معتقله بدعوى عدم تقديم صابون تازة الحقيقي. ليتبين لهم أن سبب الوفاة ليس “صابون تازة” بل ما احيط باطلاق صراحه من شروط تعجيزية. هكذا مقولة صابون تازة في ذاكرة المدينة والمغرب ولا تزال، تلك التي تروم وصف ما يحدث من صورة مكر وعناوين دسائس وخديعة، وحلول معقدة أمام صعوبة دفاع عن حق وبلوغ إقناع وتبرئة، ومن ثمة ما لا يزال شائعا من عبارة “هادشي خاصنا معاه صابون تازة” أو “ما يفكني معاه حتى صابون تازة”.

Share
  • Link copied
المقال التالي