شارك المقال
  • تم النسخ

جدل السلطة والمعرفة في أطروحة الشك “في الشعر الجاهلي”

نورالدين لشهب


 بعد صدور كتاب “الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرازق، سنة 1925 وما أثار هذا الكتاب من جدل واسع يتعلق بعلاقة الدين بالسياسة، صدر سنة 1926 كتاب آخر هو أيضا أثار جدلا واسعا في الأوساط الفكرية والثقافية في مصر وخارجها، ويتعلق الأمر بكتاب “في الشعر الجاهلي” لعميد الأدب الدكتور طه حسين.

وكتاب الدكتور طه حسين “في الشعر الجاهلي” هو في الأصل محاضرات كان يلقيها على طلبته بالجامعة المصرية منذ أواخر سنة 1925، ثم رأى بعد ذلك جمعها وإذاعتها على الناس في كتاب.

بدأ طه حسين كتابه بهذه العبارة “وأكاد أثق بأن فريقا منهم سيلقونه ساخطين عليه” وفعلا هذا ما لقاه الكتاب المثير للجدل “في الشعر الجاهلي” وكأنه كان يتوقع أن تثور ثائرة الازهر على الكتاب.

 وطبق طه حسين على الشعر الجاهلى المنهج الفلسفي”منهج الشك” الذي استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء، وخلص في استنتاجاته وتحليلاته أن الشعر الجاهلي منحول، أي لا ينتمي لقائله، وأنه كتب بعد الإسلام وتمت نسبته إلى شعراء ما قبل الاسلام.

ويُحكى أن طه حسين لما فرغ من تأليف الكتاب سلمه للأديب أحمد أمين حتى يطلع عليه وينشر حوله مقالا في إحدى الصحف المصرية، وذلك حتى يرد عليه التحية بأحسن منها لأن طه حسين كان يقوم بتقديم الكتب التي ألفها أحمد أمين من قبيل فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام..، وهي كتب تعنى بالتاريخ الثقافي للمسلمين، غير أن أحمد أمين تسلم الكتب ووضعه في رف مكتبته ولم ينشر عنه أي كلام نقدي حتى لا يقلق صاحبه ويجيش العوام ضده، غير أن كتاب “في الشعر الجاهلي” وقع بيد شيخ فأخذ يوجه سهام نقده لطه حسين ويتهمه بالكفر والإلحاد.

 والواقع أن كتاب طه حسين كتابه عن الشعر الجاهلي، تشابكت بين دفتيه المواضيع وتداخلت، فلم يستطيع أن يتكلم عن الشعر بدون ربطه بالموروث الديني برمته، وهكذا قامت الدنيا عليه، فهو يقول مثلا: “للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القضية التي تحدثنا هجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة، ونحن مضطرون أن نرى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهود، والقرآن والتوراة من جهة أخرى”.

ولهذا تقدم رجال الأزهر وشيخه بالعديد من البلاغات للنيابة العامة ضد طه حسين، واتهامه بالاعتداء علي الدين الإسلامي، وتم تحويل طه حسين للنيابة والتحقيق معه، وتقرر حفظ القضية لعدم ثبوت القصد الجنائي من الاتهامات المنسوبة لمؤلف الكتاب، فالقصد من البحث هو الحقيقة ولاشيء غير ذلك، وما ورد من المسائل إنما كان بغرض الاستشهاد، لا بغرض الاعتقاد فيها.

لكن في سنة 1932 تعرض طه حسين للفصل من الجامعة وأُلحق عمل مستشارا بوزارة المعارف, مما أثار ردود فعل عنيفة في الوسط الجامعي، إلي درجة قيام مدير الجامعة بتقديم استقالته احتجاجا علي نقل طه حسين من الجامعة دون أخذ رأي مجلسها في هذا الأمر.

 وبعد أن تغيرت الظروف السياسية عاد طه حسين للجامعة، ويترقي في المناصب حتى وصل إلي منصب وزير المعارف، فضلا عن احتلاله المكانة المرموقة علي الساحتين، العربية والعالمية، باعتباره عميدا للأدب العربي.

التشكيك في الشعر الجاهلي

ونعرض فيما يلي أهم الملاحظات التي استخلصها طه حسين في دراسته للشعر الجاهلي:

عجز هذا الشعر عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين، فهو يُظهر حياة غامضة جافة بريئة من الشعور الديني القوي والعاطفة الدينية المتسلطة على الحياة العامة. فيطرح السؤال: كيف لقبائل عربية ضحت وحاربت من أجل دينها لا تظهر هذه الحياة الدينية في شعرها؟.

-إذا كان هذا الشعر ينتمي الى قبائل متفرقة (القحطانيين-اليمن- العدنانيين-الحجاز)، والنقوش والنصوص أثبتت أن هناك فرقا جوهريا بين لغة القحطانيين والحجازيين، إذن من المفروض أن يظهر اختلاف في لغة شعر هذه القبائل لكن لا نرى شيئا في الشعر الجاهلي.

 -إن أخبار الشعراء الجاهليين وأشعارهم لم تصل إلينا من طريق تاريخية صحيحة، وإنما وصلت إلينا من هذه الطرق التى تصل منها القصص والأساطير: الراوية والأحاديث، الفكاهة واللعب، التكلف والانتحال. إذن لا يمكن أن نطمئن أن أخبارهم وأشعارهم صحيحة.

ومن هنا يمكن استنتاج:

-لا يمكن التسليم بصحة هذا الشعر لأنه لايُمثل الحياة الدينية والعقلية للعرب الجاهليين.

– إن هذا الشعر الذي يُسمى الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية، وبعيد كل البعد عن أن يُمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه

– العصبية والمنافع السياسية هي ما حملت العرب على وضع الشعر وإضافته إلى الجاهليين، فلما استقر الحكم لبني أمية عادت العرب إلى مما كانوا فيه قبل الإسلام من التفاخر والعصبية، فتعصبت قريش على الأنصار والعدنانية على القحاطنية. لقد كان بنو أمية بحاجة إلى الشعر يقدمونه وقودا لهذه العصبية المظطرمة، وهكذا استكثرت من الشعر ونحلته طائفة من شعرائها.

– ضاع الشعر الجاهلي لأن العرب لم تكن تكتب شعرها وإنما كانت ترويه حفظا، وأتت الحروب وقضت على الكثير من الرواة والحفاظ.

-هناك من شعراء الجاهلية ليس لهم وجود تماما واخترعوا من قبل الرواة..الخ.

ردود علمية على كتاب طه حسين

 وبفضل منهج الشك الذي اتبعه طه حسين في كتابه خلص إلى نتيجة زعزعت اليقين الذي كان يحوم حول الشعر الجاهلي. بحيث كانت فكرة الكتاب جديدة لم يعهدها من قبل أدباء وكتاب ذلك العصر، ولهذا أثار  الكتاب معارضة شديدة من الأزهر وبعض الأدباء فكُتبت المقالات ضده.

 كما صدرت كتب كثيرة تنقض الكتاب وتنتقده، حيث ألف محمد لطفي جُمعة كتاب للرد على الكتاب “في الشعر الجاهلي”، بالإضافة إلى “نقد كتاب الشعر الجاهلي” لمحمد فريد وجدي، و”نقض كتاب في الشعر الجاهلي” لمحمد الخضر حسين، و”النقد التحليلي لكتاب في الشعر الجاهلي”، لمحمد أحمد الغمراوي، و”الشهاب الراصد” لمحمد لطفي جمعة، و”تحت راية القرآن” لمصطفى صادق الرافعي، و”مقالات في الشعر الجاهلي” ليوسف اليوسف،  و”قضايا الشعر الجاهلي” لعلي العتوم..

وبالرغم من صدور جملة من الكتب تعرض ما ذهب إليه طه حسين في كتابه “في الشعر الجاهلي” وتنتقده، يبقى كتاب ناصر الدين الأسد “مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية” الذي ألفه سنة 1956، وهو بحث نال به الأسد درجة الدكتوراه في الأدب من جامعة القاهرة، بتقدير ممتاز سنة 1955م، وكتاب الأستاذ محمود محمد شاكر “نمط صعب ونمط مخيف” 1996، وكان قبل أن يجمع بين دفتي كتاب قد نشر منجماً في سبعة مقالات في مجلة “المجلة” خلال سنتي 1969-1970، من أهم الكتب التي ناقشت كتاب طه حسين بطرائق علمية بعيدا عن الضجيج الإعلامي الذي رافق صدور كتاب طه حسين.

شارك المقال
  • تم النسخ
المقال التالي