Share
  • Link copied

هل يولد الإنسان ناطقا… أم قابلا للنطق؟

ليست اللغة مسألة لسانية خالصة، ولا شأنًا تقنيًا يُحسم داخل المختبر أو قاعة التحليل النحوي، بل هي في عمقها سؤال فلسفي عن طبيعة العقل الإنساني وحدود فطريته ومعنى تعلّمه. لذلك فإن الجدل حول اللغة لم يكن يومًا جدلًا حول الكلمات، بل حول الإنسان نفسه: هل يولد عارفًا؟ أم يولد قادرًا على المعرفة؟ وهل ما في العقل مخزون سابق أم طاقة مفتوحة على الاكتشاف؟

في هذا الأفق ظهر مشروع نعوم تشومسكي بوصفه ثورة على السلوكية التي مثّلها بورهوس سكينر، تلك السلوكية التي اختزلت اللغة في الاستجابة للمثير، وجعلت الطفل كائنًا مقلّدًا لا مبدعًا. وقد أصاب تشومسكي حين كشف عجز هذا التفسير عن فهم الإبداع اللغوي، وانتقد وهم الاكتساب الآلي القائم على التكرار وحده. غير أن تجاوز السلوكية لم يكن نهاية الإشكال، بل بداية إشكالٍ أعمق.

افترض تشومسكي أن الإنسان يولد مزوّدًا ببنية لغوية فطرية، وبـ«نحو كلي» مغروس في الجهاز العصبي، وأن ما يبدو اكتسابًا ليس سوى تفعيل لشفرات لغوية كامنة. بهذا انتقل السؤال من كيف نتعلم اللغة؟ إلى كيف نُفَعِّل ما هو موجود سلفًا؟. وهنا تحوّل العقل من فاعل مكتشف إلى وعاء مفكِّك، وتحولت المعرفة من حدث إنساني إلى برنامج بيولوجي.

في مقابل هذا التصور، ظهرت اتجاهات معرفية أخرى لم تقع في الحتمية الجينية، لكنها لم تسلم بدورها من الاختزال. فالاتجاه البنائي كما عند جان بياجيه، ربط اللغة بالنمو المعرفي العام، ورأى أنها تُبنى تدريجيًا عبر التفاعل مع البيئة. غير أن هذا التصور، رغم عمقه التربوي، لم يفسّر كفاية القفزات النوعية في القدرة اللغوية، ولا سرعة الانتقال من الفهم الجزئي إلى الإنتاج المركّب.

أما الاتجاهات التداولية والاجتماعية، فقد شدّدت على دور السياق والاستعمال والتفاعل، ورأت اللغة ممارسة اجتماعية قبل أن تكون بنية عقلية. لكنها، هي الأخرى، حين ذهبت بعيدًا في نفي البنية، وقعت في خطر تمييع الخصوصية العقلية للإنسان، وكأن اللغة لا تزيد عن كونها عرفًا اجتماعيًا متغيرًا.

وسط هذا التشابك، تبرز مقاربة فلسفية مغايرة، لا تنكر الفطرة كما تفعل السلوكية، ولا تحمّلها محتوى معرفيًا جاهزًا كما يفعل تشومسكي، ولا تذيب العقل في المجتمع. هذه المقاربة تقوم على تمييز حاسم بين القابلية والعلم، بين أهلية الاكتساب وحضور المعرفة.

في هذا السياق، يقدّم محمد باقر الصدر قراءة معرفية دقيقة تُعيد ترتيب السؤال من جذوره. فالإشكال، في نظره، ليس في إثبات الفطرة أو نفيها، بل في طبيعتها وحدودها. الإنسان يولد مهيّأً للحياة، لا عارفًا بها؛ يولد مزوّدًا بأدوات الإدراك، لا بمضامين الإدراك. نقصه ليس نقصًا في القابلية، بل نقص في العلم.

من هنا يتضح الخلل الفلسفي في تحويل القواعد اللغوية إلى «شفرات جينية». فالجينات، مهما بلغت دقتها، لا تفسّر المعنى، ولا تُنتج الدلالة، ولا تُنشئ القصد. إنها تهيّئ البنية، لكنها لا تمنح المحتوى. تشبه في ذلك بناء دارٍ محكمة الأساس، من دون أن تضع فيها الأثاث أو ترسم فيها مسارات الحركة. إطلاق اسم علمي على هذا المجهول لا يحوّله إلى معرفة، بل قد يكون قناعًا للاعتراف الضمني بالعجز عن الفهم.

بهذا المعنى، لا يكون الخلاف مع تشومسكي خلافًا لسانيًا جزئيًا، بل خلافًا إبستمولوجيًا عميقًا حول صورة العقل. فالعقل، في الرؤية الجينية الصارمة، جهاز مبرمج سلفًا، بينما هو – في المقاربة الفلسفية التي تُفرّق بين القابلية والعلم – طاقة كاشفة، ونور فاعل، وقدرة على الاكتشاف والتوليد. الطفل لا يولد وفي ذهنه خريطة اللغة، بل يولد ومعه ما يمكّنه من رسمها بنفسه عبر التجربة والتفاعل.

وهنا يظهر البعد الأخلاقي للجدل: فافتراض المعرفة الفطرية المبرمجة يفضي، في نهاياته، إلى نوع من الجبرية المعرفية، حيث يصبح الإنسان منفّذًا لما زُرع فيه. أما القول بالقابلية دون العلم، فيعيد للإنسان حريته ومسؤوليته؛ أنت لا تولد عالمًا، لكنك تولد قادرًا على أن تكون كذلك.

بهذا تتجاوز جدلية الفطرة والاكتساب كونها مسألة لغوية، لتغدو سؤالًا عن معنى الإنسانية نفسها: هل الإنسان مخزن معلومات، أم كائن يكتشف العالم ويصنع معناه؟

والجواب، في أفق هذه القراءة، يميل بوضوح إلى الثانية، حيث اللغة ليست برنامجًا صامتًا، بل فعل حياة.

Share
  • Link copied
المقال التالي