يُعدّ كتاب حروب باسم الرب للمؤرخ والكاتب البريطاني كريستوفر كاثرود من الأعمال التي تحاول كسر الثنائية الساذجة التي تختزل العلاقة بين الدين والعنف في معادلة مباشرة: دين يساوي حربًا. فالكتاب، في نسخته العربية المترجمة عن الأصل الإنجليزي Making War in the Name of God، لا يسعى إلى إدانة الأديان في ذاتها، ولا إلى تبرئتها تبرئة مطلقة، بل يتقدم بخطاب تحليلي تاريخي يحفر في منطقة أكثر تعقيدًا: منطقة التداخل بين المقدّس والسياسي، وبين الإيمان الصادق واستراتيجيات التعبئة والصراع.
ينطلق كاثرود من مسلّمة أساسية مفادها أن الأديان، في نصوصها المؤسسة ومقاصدها الأخلاقية العليا، لا تؤسّس من حيث الأصل لمنطق الإبادة أو العنف المنفلت، لكنّها في الوقت ذاته ليست بمنأى عن التوظيف البشري. هنا يضع الكاتب إصبعه على موضع الخلل الحقيقي: ليس الدين بوصفه منظومة عقدية وأخلاقية، بل الإنسان حين يحوّل الدين إلى لغة شرعنة، وإلى أداة رمزية قادرة على تحويل الصراع على السلطة أو الأرض أو النفوذ إلى “واجب مقدّس” لا يُسأل عنه ولا يُناقش.
في تتبعه للتاريخ المسيحي الأوروبي، لا يتعامل كاثرود مع الحروب الصليبية بوصفها انفجارًا دينيًا محضًا، بل كنتاج تراكمي لتحالف معقّد بين الكنيسة والسلطة السياسية، حيث جرى توظيف الخطاب اللاهوتي لمنح الغزو شرعية أخلاقية وروحية. لقد تحوّل “تحرير الأرض المقدسة” إلى سردية جامعة، غطّت على مصالح توسعية واقتصادية واضحة، وسمحت بتعبئة جماهير واسعة باسم الخلاص والنجاة الروحية. ويبيّن الكاتب، من خلال هذا المثال، كيف يمكن للغة الدين أن تُعيد تشكيل وعي الجماعة، فتُعيد تعريف القتل لا بوصفه جريمة، بل بوصفه طاعة.
ولا يقف التحليل عند التجربة المسيحية، بل ينتقل إلى الصراعات المذهبية داخل أوروبا نفسها، كما في حرب الثلاثين عامًا، حيث لم يكن الخلاف اللاهوتي سوى سطحٍ لصراع أعمق على النفوذ السياسي وبناء الدولة الحديثة. في هذا السياق، يُظهر كاثرود كيف يصبح الدين، حين يقترن بالهوية الجماعية، عنصرًا مضاعفًا للعنف، لأن الصراع لا يعود صراع مصالح قابلة للتفاوض، بل صراع وجود، يُستحضر فيه المطلق ضد النسبي، والحق الإلهي ضد الخصم “المنحرف”.
وعند معالجته لمفهوم الجهاد في السياق الإسلامي، يتجنّب الكاتب السقوط في التعميمات الاستشراقية السهلة، فيفرّق بين المفهوم الفقهي التاريخي للجهاد، المرتبط بسياقات سياسية وعسكرية محدّدة، وبين التأويلات المعاصرة التي قامت بها جماعات متطرفة أعادت اختزال الجهاد في العنف، وقطعت صلته بسياقاته الأخلاقية والضبطية. ويُبرز كاثرود أن ما قامت به هذه الجماعات لا يختلف في جوهره عمّا فعلته قوى دينية أخرى في تاريخ مختلف: انتزاع مفهوم ديني من بنيته المركّبة، ثم إعادة توظيفه كأداة تعبئة راديكالية في صراعات حديثة.
المحور الأعمق في الكتاب يتمثل في تحليله لعلاقة الدين بالهوية. فحين يتحوّل الدين من منظومة قيمية مفتوحة إلى علامة هوية صلبة، يصبح المساس بالأرض أو السلطة أو الموارد مساسًا بالعقيدة ذاتها. في هذه اللحظة، يتضاعف العنف، لأن الخصومة السياسية تُلبَس لباسًا وجوديًا، ويُعاد تعريف الآخر لا كمنافس، بل كتهديد إيماني. هنا، يطرح كاثرود سؤالًا مركزيًا: لماذا يبدو الدين، أكثر من غيره من الأيديولوجيات، قادرًا على منح الحرب هذا الزخم الأخلاقي؟ والجواب الذي يقدّمه ليس لاهوتيًا، بل سوسيولوجيًا وتاريخيًا: لأن الدين يخاطب المعنى، ويمنح الأفعال أفقًا يتجاوز الحياة والموت، فيُغري القادة باستدعائه حين تعجز اللغة السياسية وحدها عن التعبئة.
الأسئلة التي يثيرها الكتاب لا تُقدَّم بوصفها استفهامات بلاغية، بل بوصفها مفاتيح لفهم واقع معاصر ما زال مشبعًا بصراعات تُنسب إلى المقدّس. لماذا يقتل الناس بعضهم باسم إله يُفترض أنه يدعو إلى السلام؟ كيف يُقنَع المؤمن بأن الحرب طاعة، وبأن العنف عبادة؟ وهل يمكن فعلًا فصل الدين عن الجغرافيا السياسية، أم أن المطلوب هو إعادة ضبط العلاقة بينهما على أساس أخلاقي نقدي؟
في خاتمته الضمنية، لا يقدّم كاثرود وصفة جاهزة، لكنه يدعو إلى وعي تاريخي نقدي يُعيد الدين إلى مجاله القيمي، ويُعيد السياسة إلى مسؤوليتها الأخلاقية. فالحروب التي تُخاض باسم الرب، كما يخلص الكتاب، هي في الغالب حروب بشرية بامتياز، صُنعت في غرف السلطة، ثم جرى تعميدها بخطاب ديني يمنحها القبول والشرعية. ومن هنا، فإن تفكيك هذا التلازم الزائف بين الدين والعنف لا يمر عبر إقصاء الدين من المجال العام، بل عبر تحريره من الاحتكار السياسي، وإعادة الاعتبار لوظيفته الأخلاقية بوصفه رقيبًا على القوة لا خادمًا لها.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة «حروب باسم الرب» بوصفه كتابًا في التاريخ فحسب، بل بوصفه تمرينًا نقديًا على مساءلة المسلّمات، ودعوة إلى التمييز بين المقدّس حين يكون مصدرًا للمعنى، والمقدّس حين يُختطف ليصبح أداة في يد الصراع.

تعليقات الزوار ( 0 )