Share
  • Link copied

نحو نظرية تواصليّة عربية في علم الاجتماع الديني

لم يعد علم الاجتماع الديني في العالم العربي قادرًا على الاستمرار في ثنائيته المريحة: “الدين مقابل الدولة”، أو “التراث مقابل الحداثة”. فهذه الثنائيات التي وُلدت في أوروبا لا تحكي تاريخنا، ولا تكشف طبقات علاقتنا بالدين؛ لأن مجتمعاتنا لم تعرف قطيعة لاهوتية تشبه الإصلاح البروتستانتي، ولا علمنة صلبة تحوّل الكنيسة إلى مؤسسة رمزية. بالعكس تمامًا، بقي الدين في التاريخ العربي بنيةً منتِجة للمعنى، تشارك في الاقتصاد والتعليم واللغة والعلاقات الاجتماعية، وظل العلماء فيها فاعلين في المجال العمومي قبل أن يخلق الغرب مفهومه الخاص للفضاء العام.

إن ما تحتاجه المجتمعات العربية ليس اسقاط نموذج “المجتمع ما بعد العلماني” الذي تحدّث عنه هبرماس، بل إعادة صياغته بما يتلاءم مع واقع تتداخل فيه النصوص مع القيم، والتقاليد مع المؤسسات، والمرجعية الشرعية مع مطالب المواطنين. فالمجتمع العربي ليس مجتمعًا “خرج من الدين”، ولا هو مجتمع “يعود إلى الدين”، بل هو مجتمع يعيش منذ قرون داخل فضاء تتشابك فيه الروايات، والعقائد، والمصالح، والهويات، ويحتاج إلى نظرية قادرة على كشف هذا التشابك بدل اختزاله.

من هنا تبرز الحاجة إلى نموذج تواصلي عربي في علم الاجتماع الديني، يقوم على أن الدين ليس مجرّد اعتقاد فردي، ولا نظام تشريعي مكتمل، بل هو قبل كل شيء طاقة تواصلية تحرّك المخيال الجمعي، وتوفر لغة مشتركة تصلح لأن تكون أساسًا للنقاش الأخلاقي. والعقل العربي – المنغمس في التراث بقدر انغماسه في الدولة الحديثة – لا يستطيع أن يخوض نقاشات العدالة والكرامة والحرية وحق الاخر في السلم و الامن و الأمان دون أن يستدعي مفاهيم قرآنية وحديثية وأصولية تتجاوز حدود القانون الوضعي.

التصور التواصلي المقترح هنا ينطلق من أن الدين الإسلامي لا يمكن إقصاؤه من المجال العمومي بحجّة “العقلنة”، لأن هذا الإقصاء سيُنتج فراغًا قيميًا، كما لا يمكن أن يعود الدين إلى السلطة بشكل شمولي، لأن ذلك يفكك المجال العام ويمنع التعدد. ما تحتاجه المجتمعات العربية هو بيئة تواصلية تداولية، حيث يُسمح للخطاب الديني أن يعبّر عن حدوسه الأخلاقية، ثم يُخضع نفسه لعملية ترجمة متبادلة مع قيم الدولة الحديثة: لا ذوبان ولا استعلاء،، بل نقاش.

هذه العملية ليست سهلة، لأن التراث العربي – الإسلامي غنيّ بإمكانات متعددة: فهناك خطاب فقهي، وآخر مقاصدي، وثالث كلامي، ورابع صوفي، وخامس إصلاحي، ومن الظلم إسقاطها في قالب واحد. المطلوب إذن ليس “تحديث الدين”، بل تحرير قدرته على إنتاج معنى مشترك. وهذا لا يتم إلا عبر تفكيك علاقة الدين بالسلطة السياسية، وإعادة بنائها على قاعدة المشاركة لا الهيمنة. لقد أظهرت التجارب العربية الحديثة أن استخدام الدين كأداة شرعية للسلطة وخاصة الحزبية يسحق البعد الأخلاقي في الدين، كما أن محاولة عزل الدين داخل المجال الوعظي تُفقر المجتمع من مخزون كبير من المعاني.

في النموذج التواصليّ العربي، يصبح العالم الديني فاعلًا عموميًا لا موظفًا رسميًا، ويصبح التراث مصدرًا من مصادر النقاش لا منظومة مغلقة، وتصبح المواطنة إطارًا لاستقبال القيم الدينية لا عائقًا أمامها. ويمكن لهذه البنية أن تخلق ما يسميه هبرماس “الترجمة التداولية”: أي قدرة الخطاب الديني على تقديم مبررات مفهومة في المجال العام، وقدرة الخطاب العقلاني على الإنصات دون استخفاف أو إقصاء.

وقد ظهرت إرهاصات هذا النموذج في تجارب عربية متعددة: في النقاشات حول حقوق المرأة عندما صاغ بعض الفقهاء مواقفهم بلغة المساواة والعدل لا بلغة الترجيح الفقهي فقط؛ وفي الخطاب الإصلاحي الذي أعاد قراءة المقاصد باعتبارها لغة مشتركة بين الدين والأخلاق السياسية؛ وفي بعض مبادرات الحوار الوطني التي تستدعي رجال الدين كمشاركين في صياغة الرؤية المجتمعية، لا كدعم رمزي للسلطة.

إن النظرية التواصليّة العربية في علم الاجتماع الديني التي نقترحها ليست إعادة إنتاج لفلسفة هبرماس، بل استثمار لها في فهم علاقتنا المعقدة بالدين. نحن لسنا مجتمعًا “ما بعد علماني” لأننا لم نعرف العلمنة أصلاً بالمعنى الغربي، ولسنا مجتمعًا “لاهوتيًا” لأن الدولة الحديثة أعادت تنظيم حياتنا السياسية والحقوقية. نحن مجتمع يملك تراثًا واسعًا في الأخلاق والتأويل واللغة، ويحتاج إلى نظرية تكشف عن الدين بوصفه قوة تواصلية أخلاقية داخل النقاش العمومي لا بوصفه خصمًا أو بديلاً للدولة.

إن نجاح هذا المشروع مشروط بقبول الدين الدخول في عملية تعلم متبادل، وبقبول الدولة أن الدين مصدر للمعنى لا تهديد للسيادة، وبقبول المجتمع أن الأخلاق لا تُبنى بالقوة ولا تلغى بالقانون، بل تُنسج في حوار واسع، يسمع فيه المؤمن صوت غير المؤمن، ويتعلم فيه غير المؤمن من لغة المؤمن، ويصبح المجال العام ساحة ترجمة، لا ساحة صراع.

Share
  • Link copied
المقال التالي