Share
  • Link copied

من طنجة إلى الكويرة: المغرب يكتب فصلاً جديداً في “ملحمة التنمية” بالصحراء… مشاريع عملاقة تعيد رسم الخريطة الاقتصادية وتحوّل الجنوب إلى قطب إفريقي للأمل والازدهار

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو الجنوب المغربي، تتبلور في الأقاليم الجنوبية للمملكة ثورة تنموية غير مسبوقة، تؤكد من جديد أن الرؤية الملكية لتأهيل هذه المناطق لم تعد مجرد طموح سياسي أو شعار وحدوي، بل مشروع حضاري متكامل يروم بناء نموذج تنموي شامل يُعيد صياغة الجغرافيا الاقتصادية للمغرب من طنجة إلى الكويرة.

فمنذ إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، رسمت المملكة مساراً واضحاً نحو ترسيخ الاندماج الاقتصادي والاجتماعي بين مختلف جهات البلاد، مستندة إلى مقاربة توازن بين التنمية الاقتصادية والعدالة المجالية.

وكما أوضح رئيس الحكومة عزيز أخنوش أمام مجلس النواب، فإن “الأقاليم الممتدة من كلميم إلى الكركرات شهدت ثورة اقتصادية واجتماعية لا يمكن إنكارها، بفضل الرؤية الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس”.

وتجاوزت مقاربة المغرب في الصحراء منطق الدفاع الجيوسياسي لتتحول إلى إستراتيجية بناء شامل، هدفها القضاء على التفاوتات المجالية وتحقيق العدالة الاجتماعية.

فبعد القرار 2797 لمجلس الأمن، الذي وصف مقترح الحكم الذاتي المغربي بـ”الأكثر واقعية وجدّية”، دخلت المملكة مرحلة جديدة عنوانها “الانتقال من المشروعية السياسية إلى الإنجاز التنموي”.

وتضع الحكومة المغربية الزراعة والماء في قلب النموذج التنموي الجديد. فقد تم إطلاق 55 مشروعاً فلاحياً بقيمة تتجاوز 4.9 مليار درهم، موجهة إلى الفلاحة التضامنية وتثمين الأراضي وتطوير مراكز التكوين المهني الزراعي.

وتأتي محطة تحلية مياه البحر في الداخلة، التي تنفذها شركة Engie الفرنسية بميزانية قدرها 2.6 مليار درهم، لتشكل نقلة نوعية في الأمن المائي للمنطقة، إذ ستوفر 37 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، منها 30 مليوناً للزراعة و7 ملايين للاستهلاك البشري، اعتماداً على طاقة الرياح النظيفة.

وفي مجال التعليم، أطلقت الحكومة برامج مبتكرة لتحسين جودة التعلم في أقاليم الداخلة والعيون وكلميم. ويستفيد من هذه البرامج أكثر من 22 ألف تلميذ في الداخلة وحدها، إضافة إلى مئات المدارس التي تم تأهيلها في كلميم والعيون.

أما على مستوى الصحة، فالمملكة تُراهن على مشروع مستقبلي ضخم هو المستشفى الجامعي محمد السادس بالداخلة، المقرر افتتاحه سنة 2027، بطاقة 300 سرير، وبمرافقة كليات للطب والتمريض والهندسة الحيوية، ما يجعل من الداخلة قطباً جامعياً طبياً في قلب الصحراء المغربية.

البنية التحتية هي العصب النابض لكل هذه التحولات. فمشروع الطريق السريع تزنيت–الداخلة، الممتد على أكثر من 1050 كيلومتراً وبكلفة 10 مليارات درهم، يمثل شرياناً اقتصادياً يربط شمال المغرب بجنوبه، ويختصر المسافات بين الأقاليم ويُيسر الاندماج التجاري مع إفريقيا الغربية.

ويُكمل هذا المشروع المهيكل ميناء الداخلة الأطلسي، أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في القارة الإفريقية، باستثمار يفوق 1 مليار يورو. فبفضل موقعه الاستراتيجي، سيُصبح الميناء مركزاً محورياً للتجارة بين أوروبا وإفريقيا وأمريكا، بطاقة استيعابية تصل إلى 35 مليون طن سنوياً، ليعيد للداخلة دورها التاريخي كبوابة أطلسية للمغرب نحو الجنوب.

وهذه المشاريع ليست مجرد بنى تحتية، بل هي تعبير عن رؤية ملكية متكاملة تهدف إلى نقل تجربة الشمال الصناعي – خاصة نموذج طنجة المتوسط – إلى الجنوب، في انسجام تام مع مبادئ اللامركزية والجهوية المتقدمة. فالمملكة اليوم لا تنمي الأقاليم الجنوبية كمنطقة حدودية، بل كجزء أصيل من مشروع مغربي كبير يتجه نحو الريادة الإفريقية.

وتتجسد فلسفة التنمية في الأقاليم الجنوبية في الجمع بين الاستدامة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والتكامل الجهوي. إنها ليست فقط استجابة لمتطلبات الأمم المتحدة أو لمعادلات السياسة الدولية، بل تعبير عن إرادة مغربية في تحويل الصحراء إلى فضاء للحداثة والاستثمار والأمل.

فإذا كانت طنجة المتوسط قد مثّلت “معجزة الشمال”، فإن الداخلة الكبرى وميناؤها الأطلسي سيشكلان بلا شك “ملحمة الجنوب”، التي تُعيد تعريف الخريطة الاقتصادية للمغرب وتجعل من الصحراء المغربية نموذجاً يحتذى به في التنمية الإفريقية المستدامة.

Share
  • Link copied
المقال التالي