انتخب حزب جبهة التحرير الوطني الجزائري، يوم الثلاثاء الماضي، النائب محمد جميعي أمينا عاما جديدا له، خلفا لمعاذ بوشارب الذي كان يسيّر شؤون الحزب بتكليف من الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة قبل استقالته.
ويأتي هذا التغيير التنظيمي في لحظة سياسية دالة، لا تعكس فقط مسار حزب تاريخي يبحث عن تجديد شكلي، بل تفتح من جديد سؤال التحولات العميقة لجبهة التحرير الوطني، من حركة تحرر قادت ثورة الاستقلال إلى حزب أُفرغ تدريجيا من استقلاله السياسي، وتحول إلى أداة تسيير داخل نظام تتركز فيه السلطة خارج المجال الحزبي، وبعيدا عن المساءلة العمومية، بل وفق أهواء النظام العسكرتاري.
لم تكن جبهة التحرير الوطني (FLN) في الجزائر حزبا سياسيا بالمعنى الكلاسيكي، بل كانت، ولا تزال إلى اليوم، اسما مكثفا للتاريخ. الجزائري، ورأسمالا رمزيا جاهزاً للتوظيف السياسي. فمن حركة تحرر قادت حرب الاستقلال (1954–1962)، إلى حزب الدولة الوحيد دستوريا بعد الاستقلال (1962–1989)، ثم إلى فاعل حزبي داخل تعددية متأخرة ومضبوطة، انتهت الجبهة إلى وضع ملتبس، حزب بلا سيادة، وتاريخ بلا أفق.
غير أن اختزال أزمة FLN في الحزب ذاته يظل قراءة ناقصة، فالقصة الأعمق تتعلق بالبنية التي ابتلعته، ويتعلق. الأمر بالنظام السياسي ـ العسكريتاري الذي تشكل منذ الاستقلال، وجعل من الجبهة واجهة مدنية لسلطة فعلية ظلت في جوهرها خارج المجال الحزبي.
من جبهة التحرير إلى جبهة التسيير
منذ 1962، لم تحكم FLN بوصفها حزبا مستقلا عن الدولة، بل بوصفها ذراعا سياسيا لنظام صاغته المؤسسة العسكرية المنتصرة في حرب التحرير، إذ لم يكن الجيش تابعا للحزب، بل كان الحزب هو الواجهة السياسية لسلطة عسكرية ـ أمنية أعادت توزيع الشرعية: السلاح أولا، ثم التاريخ، ثم السياسة.
لهذا، حين نتساءل اليوم عن وضع FLN، لا ينبغي أن نسأل: لماذا ضعف الحزب؟ بل: لماذا لم يسمح له أصلا أن يكون حزبا بالمعنى الكامل لمفهوم الحزب السياسي؟
لقد تمت عملية تجريد الجبهة مبكرا من وظيفتها التمثيلية، وجرى تحويلها إلى أداة ضبط سياسي، ثم إلى جهاز انتخابي، ثم في المرحلة الراهنة إلى حزب إدارة ما بعد الدولة، حزب يملأ الفراغ دون أن يصنع القرار.
التعددية المراقَبة: حزب بلا خيار
أدخل دستور 1989 التعددية الحزبية، لكن داخل سقف صلب رسمته السلطة العسكرية، ومنذ ذلك الحين، لم تعد FLN حزبا أوحد، لكنها بقيت حزبا مفضّلا داخل نظام يضبط المنافسة ويحدد مسبقا هوامش التداول.
ولعل خير مثال هو ما جرى في الانتخابات التشريعية لسنة 2021 التي أظهرت هذا التناقض بوضوح، لقد تصدر الحزب النتائج عدديا، لكنه حصل ذلك في سياق عزوف شعبي واسع، وداخل عملية انتخابية جرت بعد كسر الحراك الشعبي وتضييق المجال العام.
وهكذا لم يكن الفوز دليلا على القوة، بل على القدرة على التكيف داخل لعبة منخفضة الشرعية، فحين لا يصوت سوى ربع الناخبين تقريبا، لا يفوز من يقنع المجتمع، بل من يملك شبكة تنظيمية قادرة على العمل داخل كتلة تصويتية محدودة، وهي وظيفة أتقنتها الأحزاب المرتبطة تاريخيا بالدولة، وعلى رأسها حزب جبهة التحرير الوطني.
حراك 2019 وسقوط القناع
شكل حراك 2019 لحظة كاشفة، حيث خرج ملايين الجزائريين إلى الشارع، لا ضد حزب بعينه، بل ضد منظومة كاملة اختزلت السياسة في واجهات حزبية بلا قرار. وكانت FLN رمزيا في قلب الرفض الشعبي، ليس بسبب أنها أخطر من غيرها، بل لأنها أقدم واجهة للنظام.
لكن ما الذي تغيّر بعد الحراك؟ سقطت رؤوس، تغيّرت أسماء، أُعيد ترتيب الواجهات، بينما بقي مركز السلطة خارج المجال الحزبي، وهكذا عادت FLN إلى البرلمان، لا بوصفها ممثلة للقطيعة، بل كجزء من إعادة ضبط النظام لنفسه بعد الزلزال، وهنا تتضح المفارقة، فالحزب الذي وُلد من ثورة شعبية أصبح عاجزا عن تمثيل لحظة احتجاج شعبي لأنه لم يعد يمتلك قراره ولا خطابه ولا أفقه.
تغيير الواجهة لا الوظيفة: حزب ما بعد الدولة
التغييرات التنظيمية الأخيرة داخل FLN، بما فيها انتخاب أمين عام جديد، يمكن قراءتها كمحاولة لترميم الصورة، وليس لإعادة تعريف الدور، لأن السؤال الحقيقي ليس من يقود الحزب، بل هل يُسمح له أن يقود؟
في نظام تتركز فيه السلطة الفعلية خارج المؤسسات الحزبية، يصبح الحزب جهاز تنفيذ وحسب وليس فضاء قرار، ولهذا، تفشل محاولات تجديد النخب ما دامت الوظيفة السياسية للحزب لم تتغير، والتي تتمثل في دعم التوازن القائم لا مساءلته.
يمكن القول إن FLN دخل اليوم مرحلة ما بعد الدولة، ليس بمعنى الحداثة السياسية، بل بمعنى العجز البنيوي، فهو حزب لا يملك مشروعا مستقلا، ولا يستطيع مساءلة السلطة، ولا يمثل المجتمع، لكنه ما يزال ضروريا للنظام كواجهة تاريخية وانتخابية، وهنا تكمن المأساة السياسية في صورتها الجزائرية، ذلك أن التاريخ الذي منح الجبهة شرعيتها الأولى، أصبح هو نفسه قيدها الأكبر، لأن النظام العسكرتاري أعاد تدويره باعتباره أداة وليس قيمة، باعتباره شيئا وليس فكرة ورؤية.
خلاصة
إن السؤال الذي يواجه جبهة التحرير اليوم لا ينفصل عن السؤال الوطني الجزائري الأشمل، هل يمكن لحزب ولد من رحم ثورة شعبية أن يستعيد معناه ووظيفته داخل نظام لا يعترف إلا بمنطق القوة وتوازناتها؟
أم أن الجبهة لم تعد فاعلا سياسيا يمتلك تاريخا يمكن توظيفه في أفق المستقبل، بل تحولت إلى مدار تاريخي Rond point ، تعيد السلطة العسكرتارية توظيفه لضبط الأحزاب، وتأطير المجتمع، والتحكم في الدولة، ورهن الغد الجزائري لحسابات استراتيجية غامضة لا تمر عبر الإرادة الشعبية ولا عبر السياسة بوصفها فعلا؟
واضح أن التاريخ وحده لا يحكم، بل من يحتكر القوة هو من يصوغ القرار، وجبهة التحرير الوطني ليست مجرد حزب أرهقته السنوات، بل مرآة لأزمة أعمق تطبع المجال السياسي الجزائري برمّته: أزمة استحالة بناء حياة حزبية فعلية داخل نظام لا يُنتج السياسة من داخلها، بل يديرها من خارجها.
ما دام مركز القرار منفصلا عن الأحزاب، فإن هذه الأخيرة، بما فيها جبهة التحرير، ستظل أدوات تسيير وضبط، لا فضاءات تمثيل وصناعة إرادة عامة، هي مجرد كائنات تسمى أحزابا تحضر في الواجهة، وتغيب عن جوهر الفعل السياسي، وتُستدعى لتزكية خيارات صيغت سلفا في دوائر لا تخضع للمساءلة العمومية، بل لقرار صيغ مسبقا في الثكنة وفق أهواء الطغمة العسكرتارية.

تعليقات الزوار ( 0 )