Share
  • Link copied

من الأزقة إلى العالمية: كيف حول المغرب كرة القدم من شوارع فاس والدار البيضاء إلى قوة دولية تتنافس على منصات المونديال وتلهم أجيالاً جديدة

قبل سنوات قليلة، كان يُنظر إلى المنتخب المغربي على أنه موهبة كامنة، فريق ممتع يلعب كرة جميلة لكنه غير قادر على مجاراة القوى الكروية الكبرى. غير أن كأس العالم 2022 في قطر قلب هذه الصورة رأسًا على عقب، إذ أطاح “أسود الأطلس” بإسبانيا وهزموا البرتغال ووقفوا نِدًّا لفرنسا في نصف النهائي.

وما كان يُعتبر آنذاك معجزة أصبح اليوم، في 2025، مشروعًا مستدامًا، حيث يحتل المغرب المركز الثاني عشر عالميًا ويشارك في أربعة مونديالات متتالية، وفاز قبل أسابيع فقط ببطولة العالم تحت 20 سنة، ما يؤكد صعوده القوي على الساحة الكروية الدولية.

وفق تقرير نشرته صحيفة EL ESPAÑOL الإسبانية، فإن نجاح المغرب ليس صدفة، بل نتيجة منظومة متكاملة تبدأ من الشارع وتمتد إلى الأكاديميات والملاعب الاحترافية وصولًا إلى المنتخب الوطني.

ويشير المدرب الإسباني بابلو فرانكو، الذي يعمل حاليًا مع نادي المغرب الفاسي ويملك خبرة واسعة في الأكاديميات الأوروبية، إلى أن الأساس الحقيقي لهذا التطور يبدأ في الشارع المغربي، حيث يلعب الأطفال كرة القدم بحرية في الأزقة والساحات والميادين العامة، ما يعزز إبداعهم ومهاراتهم الفردية وقدرتهم على حل المشكلات في المساحات الضيقة.

وفي قلب هذا النظام توجد أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، التي تختلف تمامًا عن الأكاديميات التقليدية في أوروبا. فهي تعتمد على انتقاء صارم للمواهب من مختلف المدن المغربية، وبرامج تدريب مكثفة، وتخصص مبكر للاعبين منذ سن صغيرة، مع بيئة احترافية صممت لتنشئة لاعب مغربي قوي ومتكامل.

ولا تهدف الأكاديمية إلى “تصنيع لاعبين على النمط الأوروبي”، بل إلى تطوير لاعب مغربي بخصائص فنية وتكتيكية وجسدية محسنة، وهو ما يظهر جليًا في نتائج فرق الشباب، حيث يتفوق اللاعبون على منافسيهم الأكبر سنًا بسهولة.

ويلعب الانتماء الوطني دورًا محوريًا في هذه المعادلة، فالأسر المغربية تنقل حب الكرة والهوية الوطنية لأبنائها، ويختار العديد من اللاعبين مزدوجي الجنسية الدفاع عن ألوان وطنهم، مثل أشرف حكيمي وحكيم زياش ونصير مزراوي وإبراهيم دياز، ما يعزز ارتباط المنتخب بالثقافة الوطنية ويمثل قوة دافعة للمواهب الشابة.

ويلاحظ فرانكو أن المجتمع المغربي يكرم كل لاعب يختار الدفاع عن البلاد، بينما يحترم اختيارات من يقرر اللعب لدول أخرى، ما يعكس نضجًا ثقافيًا وكرويًا متفردًا.

وبعد الشارع والأكاديمية تأتي البطولة الوطنية، البوطولا، التي أصبحت حاضنة أساسية لصقل المواهب قبل انتقالها للاحتراف في أوروبا أو الانضمام إلى المنتخب الأول.

ويشير فرانكو إلى أن مستوى الدوري المغربي أصبح يقارب المستوى الثاني في أوروبا، ما يوفر بيئة تنافسية متقدمة ويجعل الفرق المحلية قادرة على مجاراة فرق الصفوف الأولى في بلجيكا أو هولندا أو البرتغال.

ويعكس أداء نادي المغرب الفاسي الحالي هذا التطور، إذ ينافس على الصدارة ويضم هداف الدوري سفيان بنجديدة، ما يدل على صلابة الدوري وقدرته على تطوير اللاعبين بشكل مستمر.

ومع استعداد المغرب لاستضافة جزء من كأس العالم 2030، يبدو أن التطلعات عالية، حيث يشير فرانكو إلى أن الفوز باللقب صعب، لكن المنافسة على أعلى مستوى ممكنة، بفضل اللاعبين الذين يجمعون بين المهارة والتنافسية والقدرة على التأقلم مع أساليب اللعب المختلفة.

ويؤكد أن قوة المنتخب المغربي تكمن في توافق النظام بأكمله: الشارع يخلق المواهب، الأكاديمية تصقلها، البوطولا تمنحها الخبرة، والمنتخب يعرضها على الساحة الدولية، ليصبح المغرب نموذجًا متكاملًا في صناعة كرة القدم.

وخلص التقرير إلى أن التجربة المغربية أثبتت أن النجاح الكروي ليس صدفة، بل ثمرة تخطيط طويل، واستثمار متكامل في الشباب، وثقافة وطنية داعمة للرياضة، ما يجعل من “أسود الأطلس” قوة كروية صاعدة ومرشحة لإعادة كتابة تاريخ كرة القدم العالمية في السنوات المقبلة.

Share
  • Link copied
المقال التالي