الجزائر، أكبر دولة في إفريقيا من حيث المساحة، تمتلك فرصا استثمارية هائلة، لكنها لا تزال تواجه تحديات كبيرة تحول دون جذب رؤوس الأموال الأجنبية بكثافة.
وبحسب تقرير أمريكي، فإن الاقتصاد الجزائري، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على عائدات الطاقة، يسعى إلى التنويع من خلال إصلاحات وتسهيلات جديدة، لكن المستثمرين يحذرون من بيئة أعمال غير مستقرة وبيروقراطية ثقيلة، وآخرون يهربون من عبث السلطة.
وفي يوليوز الماضي، وقعت شركة بلادنا القطرية اتفاقية بقيمة 500 مليون دولار مع الصندوق الوطني للاستثمار لإطلاق المرحلة الأولى من مشروع زراعي صناعي ضخم في منطقة أدرار، وفق تقرير لمجلة Global Finance Magazine.
ويمتد المشروع على 117 ألف هكتار ويضم 270 ألف بقرة، ويهدف إلى تلبية نصف احتياجات الجزائر من الحليب المجفف وخلق 5000 فرصة عمل.
ويحمل المشروع نموذج شراكة 51% للشركة القطرية و49% للحكومة الجزائرية، وهو انعكاس لرغبة السلطات في تعزيز الإنتاج المحلي مع الاحتفاظ بالسيطرة على الاقتصاد.
واستنادا إلى المصادر ذاتها، فإنه ورغم الإمكانيات الكبيرة، يعاني الاستثمار الأجنبي من تاريخ من الحواجز القانونية والبنية الإدارية المعقدة.
فالحرب الأهلية في التسعينات، إضافة إلى قانون 49/51 الذي فرض على المستثمر الأجنبي شريكًا جزائريًا، حدّت من تدفق الاستثمار.
ورغم إلغاء هذا القانون في 2020 في معظم القطاعات، إلا أن الاستثمار الأجنبي المباشر يظل ضعيفا، حيث بلغ متوسطه 0.4% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الخمس الماضية وفق صندوق النقد الدولي.
ويعتمد الاقتصاد الجزائري بشكل رئيس على قطاع الطاقة الذي يشكل 92% من الصادرات ونصف الإيرادات العامة، مع تباطؤ متوقع للنمو إلى 3.4% في 2025.
ومع ذلك، تتسارع السلطات في تبني إصلاحات لتعزيز التنويع الاقتصادي، بما في ذلك قوانين الأراضي والمشتريات الجديدة، ومنصة رقمية موحدة لتسهيل الاستثمار، وتحفيز الصادرات غير النفطية.
ويشير الخبراء إلى أن القطاع الزراعي والتصنيع يمثلان فرصا كبيرة للنمو. فالمستهلك الجزائري يواجه خيارات محدودة، مما يخلق هامشا كبيرا للربح للشركات المنتجة محليا.
وبدأت شركات عالمية مثل كوكاكولا، نستله، بيبسي، رينو، بيجو، وفولكسفاغن بالفعل إنشاء عمليات محلية، إلا أن هناك حاجة لاستثمارات أكبر لتعويض الاعتماد على الواردات.
وفي القطاع المالي، بدأت الجزائر خطوات إصلاحية تشمل إطلاق وزارة للشركات الناشئة وصندوق رأس المال الاستثماري، مع هدف استقبال 20 ألف شركة ناشئة بحلول 2030.
كما تم تبني قوانين مصرفية جديدة لتسهيل التمويل الإسلامي والرقمي، رغم أن البنوك العامة لا تزال تسيطر على نحو 85% من الودائع.
لكن المستثمرين الأجانب يحذرون من المخاطر السياسية والبيروقراطية، إذ قد تتغير القوانين والقرارات فجأة، مما يعقد عمليات الإنتاج والاستثمار.
ويقول أحد المستثمرين: “تنام في ظل قانون واحد وتستيقظ على قانون آخر… يجب أخذ ذلك في الاعتبار عند الدخول إلى السوق الجزائري”.
وإلى جانب البيروقراطية، تواجه الجزائر تحديات إضافية مثل القطاع غير الرسمي الكبير، الاقتصاد النقدي، وإدراج البلاد على القائمة الرمادية لفريق العمل المالي الدولي في 2024، ما يزيد من حدة المخاطر.
ورغم هذه الصعوبات، يبقى السوق الجزائري واعدا للغاية، بفضل عدد السكان الكبير، القوة الشرائية المتوسطة، الطاقة المدعومة، والموقع الاستراتيجي بين إفريقيا والشرق الأوسط.
وتعكس الشراكات المتنامية مع الصين وتركيا، وانضمام الجزائر للاتفاقية الأفريقية للتجارة الحرة، رغبة البلاد في الانفتاح على الأسواق الإقليمية والدولية.
وأشار التقرير إلى أنه وفي النهاية، فإن النجاح في الجزائر يتطلب مزيجا من الصبر، المعرفة الدقيقة بالقوانين، والقدرة على التعامل مع بيئة أعمال متقلبة. فبين الإمكانات الهائلة والبيروقراطية المتجذرة، يقف المستثمرون أمام تحدٍ مزدوج: الفرصة الكبيرة والمخاطر الكبيرة.

تعليقات الزوار ( 0 )