Share
  • Link copied

ما بعد الفوز: قراءة في سلوك جمهور المقاهي

كيف يمكن لمباراة كرة قدم أن تحوّل المشجع إلى إنسان شرير؟

ليست صفة الشر هنا حتمية، بقدر ما هي حالة نسبية، مرتبطة بمجريات المباراة وبوضع الفريق الذي يشجعه الفرد، وبما إذا كان منتصرًا أو مهددًا بالخسارة.

كنت جالسًا متشبثًا بمقعد وجدته – بمقدرة قادر – شاغرًا، فيما امتلأ المقهى عن آخره بالمشجعين الذين جاؤوا على أهبة الاستعداد لتشجيع منتخبهم الوطني. بدوا كجحافل فايكنغ؛ وجوه متجهمة، وملامح مدهونة بألوان المنتخب، وكأن هذا الطلاء يمنحهم اندماجًا أعمق، جسدًا وروحًا، لخوض حرب قد تمتد لأكثر من تسعين دقيقة.

ولم يكن الذكور وحدهم في ساحة المعركة؛ فقد التحقت النساء بالمشهد بكثافة. أولم تشارك نساء الفايكنغ رجالهن الحروب، طمعًا في الغنائم وإثباتًا للذات؟

قد يتساءل القارئ عن علاقة هذا كله بالمباراة. ببساطة، نحن أمام حرب رمزية لا مجال فيها للخسارة، خصوصًا حين يكون الدور إقصائيًا. اللاعبون في الملعب هم المحاربون، والجمهور هو جيش الاحتياط، اللاعب رقم اثني عشر. إلى هنا تبدو الصورة واضحة.

لكن ما دور الأنثى في هذا الطقس؟
هي الأخرى تبحث عن دور: إثبات الذات، منافسة الذكر، والاستئثار بالغنائم التي لا تُقاس بالنقاط بل بالانتباه، ونظرات الإعجاب، والاعتراف الرمزي. كل ذلك يحدث تحت قناع الوطنية.

وأنا أتابع المباراة بقدر من اللامبالاة، كان اهتمامي موجّهًا إلى الجمهور وردود أفعاله. فجأة دوّى صفير كاد أن يمزق طبلة أذني، وتعالت الأصوات مختلطة بعويل نسائي أقرب إلى الصراخ الغريزي منه إلى الهتاف. ظننت أن المنتخب سجّل هدفه الأول، قبل أن أكتشف أن الأمر لا يعدو كونه خطأً ارتكبه الفريق الخصم.

في لحظة الانتشاء الممزوج بالغضب، التفت إليّ أحد المشجعين قائلاً:
«أتمنى لو تُكسر أقدام لاعبي الخصم واحدًا تلو الآخر، أو يُصاب مهاجمهم حتى لا يشكل خطرًا على مرمانا».

مرمانا؟
هذا الانتماء المتخيَّل لا يعنيني، لكني اكتفيت بابتسامة مصطنعة، على أمل أن تنهي الحديث. غير أن الفايكنغ لا يعرفون الاستسلام. شرع يحدثني عن خطة المدرب، ثم عن نبوءته بأن دياز سيكون لاعب البطولة، وربط نتيجة المباراة – بطريقة عصية على الفهم – بقصة اختطاف رئيس فنزويلا.

هربت ذهنيًا إلى جملة أمير عيد:
«مش مهم… مش مهتم».

تناساني الرجل قليلًا مع هجمة خطيرة أسفرت عن هدف حقيقي هذه المرة. سبقت الجميع بإغلاق أذنيّ قبل أن ينفجر المكان صراخًا وزغاريد، تشبه عواء محاربات الفايكنغ لبث الرعب في قلوب العدو، وإن كانت قد بثت الرعب فقط في أذنيّ.

مرت الدقائق خفيفة على الجميع، ثقيلة عليّ. ووسط هذا الضجيج، بدأت ألاحظ سلوكيات أقرب إلى الغريزة منها إلى التشجيع. شاب لا تهمه المباراة بقدر ما تهمه مشجعة أمامه، وهي – بذكائها العاطفي – مدركة لحجم الاهتمام، فتستخرج مرآتها، تعيد ترتيب مكياجها، تلتقط الصور بوضعيات محفوظة، لتدخل في منافسة صامتة مع صديقاتها. مشهد يشبه مسابقة غير معلنة لملكات الجمال، حيث قد يشعرن بأنهن ملكات، أما الجمال ذاته فمسألة نسبية.

في الجهة المقابلة، مجموعة من الشباب تستغل كل هتاف للسخرية من النساء، بل والمطالبة بعودتهن إلى المطبخ، في سلوك يعكس مستوى الوعي السائد لدى شريحة واسعة من المجتمع.

مع صافرة النهاية، احتشد الجميع مغادرين. ولا داعي للتفصيل في كيفية استغلال البعض لهذا التكدس من أجل احتكاكات عابرة مع المشجعات، وكأنها غنيمة أخيرة بعد معركة فاز فيها المنتخب بهدفين دون رد.

المنتخب ربح النقاط، أما جمهور المقاهي فربح لحظة اندماج، ودفع ثمنها وعيًا مؤجلًا وأخلاقًا معلّقة حتى صافرة النهاية.

Share
  • Link copied
المقال التالي