شهدت المنطقة الحدودية بين المغرب والجزائر، وتحديدًا بإقليم جرادة، فاجعة إنسانية جديدة أعادت إلى الواجهة مأساة الهجرة غير النظامية ومعاناة المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء.
فقد جرى، ما بين السادس والثاني عشر من دجنبر الجاري، العثور على جثث اثني عشر مهاجرًا لفظوا أنفاسهم الأخيرة في ظروف قاسية، وُصفت من طرف مصادر طبية وحقوقية بأنها ناجمة أساسًا عن البرد القارس والجوع والإرهاق.
ووفق معطيات صادرة عن جمعية مساعدة المهاجرين في وضعية هشاشة، ومقرها مدينة وجدة، فإن الضحايا ينحدرون من دول إفريقية جنوب الصحراء، من بينهم نساء وشباب في مقتبل العمر، كانوا يحاولون عبور المنطقة الحدودية الوعرة بحثًا عن الأمان أو أمل في حياة أفضل.
وأكد رئيس الجمعية، حسن العمري، أن أولى الجثث عُثر عليها خلال زيارة ميدانية للجمعية يوم السادس من دجنبر، بعد توصلها بإشعارات حول وجود ضحايا، حيث تم التأكد حينها من وجود ست جثث، قبل أن يُعثر على ست جثث أخرى خلال زيارة ثانية في الثاني عشر من الشهر نفسه.
وتشير الشهادات الميدانية إلى أن الظروف المناخية القاسية التي تعرفها المنطقة خلال فصل الشتاء، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون خمس درجات مئوية تحت الصفر، تشكل خطرًا حقيقيًا على حياة المهاجرين، خاصة في ظل افتقار العديد منهم إلى الملابس والأغطية الكافية، واعتمادهم على إمكانيات محدودة لا تقوى على مواجهة البرد والجوع والعزلة.
إلى جانب العوامل المناخية، سلطت الجمعية الضوء على خطر داهم يتهدد المهاجرين، يتمثل في خندق عميق يوجد بالجانب الجزائري من الحدود، يبلغ عرضه حوالي أربعة أمتار ونصف وعمقه أربعة أمتار، بمحاذاة سياج مرتفع من الجهة المغربية.
وهذا الخندق، الذي يصفه الفاعلون الحقوقيون بـ”خندق الموت”، يتحول في فترات الأمطار إلى مصيدة قاتلة، إذ يمتلئ بالمياه والطين، ما يجعل السقوط فيه، خصوصًا خلال الليل أو ساعات الفجر، نهاية مأساوية لا مفر منها.
وأكدت الجمعية أن هذا الخندق تسبب، منذ سنة 2017، في وفاة أكثر من 76 شخصًا، من بينهم مهاجرون من تشاد والسودان ودول إفريقية أخرى، مشيرة إلى أنها سبق أن نبهت السلطات المعنية في المغرب والجزائر، منذ سنوات، إلى خطورته، داعية إلى اتخاذ تدابير عاجلة تحترم الحق في الحياة وتحد من هذه المآسي المتكررة.
وتعيد هذه الحادثة الأليمة طرح أسئلة ملحة حول أوضاع المهاجرين غير النظاميين في المناطق الحدودية، ومسؤولية الفاعلين الإقليميين والدوليين في توفير آليات إنسانية تحمي الأرواح، بعيدًا عن المقاربات الأمنية الصرفة.
فبين قسوة الطبيعة وتشديد المراقبة الحدودية، يظل المهاجرون الحلقة الأضعف، يدفعون بأجسادهم ثمن اليأس والفقر والصراعات، في رحلة محفوفة بالمخاطر قد تنتهي، كما في جرادة، بصمتٍ ثقيل وجثثٍ تروي قصة معاناة لا تنتهي.

تعليقات الزوار ( 0 )