Share
  • Link copied

قطاع السيارات في المغرب يرسّخ مكانته كقاطرة للنمو الاقتصادي ويقود التحول الصناعي والتصديري للمملكة نحو آفاق إقليمية ودولية أوسع

يشهد قطاع صناعة السيارات في المغرب تحوّلًا نوعيًا جعله خلال العقود الأخيرة أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، بل الصناعة الرائدة في البلاد، ومحركًا أساسيًا للتنمية الصناعية والتصدير نحو الأسواق الدولية، خصوصًا أوروبا.

ومنذ إنشاء أول خط لتجميع السيارات في ستينيات القرن الماضي، قطع المغرب أشواطًا كبيرة في بناء منظومة صناعية متكاملة للسيارات.

واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن، باتت المملكة أول منتج للسيارات في القارة الإفريقية، متقدمة على جنوب إفريقيا ومصر، واحتلت المرتبة 28 عالميًا، في نتيجة تعكس نجاح رؤية استراتيجية طويلة الأمد.

ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل ثمرة تخطيط دقيق وتنفيذ متدرج، اعتمد على توفير بيئة سياسية واقتصادية مستقرة، وبنية تحتية من المستوى العالمي، ورأس مال بشري شاب ومؤهل، إلى جانب انفتاح واسع على الأسواق الدولية، حيث يتيح المغرب الوصول إلى سوق محتملة تضم نحو 2.5 مليار مستهلك بفضل اتفاقيات التبادل الحر مع أكثر من 50 دولة.

كما أسهم اعتماد ميثاق الاستثمار الجديد في تعزيز جاذبية البلاد أمام المصنعين الدوليين، ما شجع كبار الفاعلين في القطاع على اتخاذ المغرب قاعدة صناعية إقليمية.

ويضم القطاع حاليًا ثلاثة مصنعين رئيسيين للمركبات: رينو، ستيلانتيس، ونيو موتورز المغرب، إضافة إلى أكثر من 270 موردًا دوليًا، موزعين على ست جهات من المملكة. وتبلغ الطاقة الإنتاجية السنوية نحو 960 ألف سيارة، مع نسبة إدماج محلي تصل إلى 69%.

وفي عام 2023، بلغت قيمة صادرات قطاع السيارات (المركبات وقطع الغيار) نحو 14.1 مليار دولار، فيما تجاوزت صناعة قطع الغيار وحدها 5 مليارات دولار في 2022، ما يعكس الوزن المتنامي للقطاع في الميزان التجاري المغربي.

وشكل افتتاح مصنع رينو بطنجة سنة 2012 نقطة تحول مفصلية، إذ سجل القطاع بين 2011 و2019 معدل نمو سنويًا متوسطًا بلغ 31%. وتبعه تعزيز الإنتاج عبر مصنع صوماكا بالدار البيضاء، ثم دخول مجموعة ستيلانتيس حيز الإنتاج بالقنيطرة سنة 2019.

ومع خطط التوسع المعلنة، يُرتقب أن يقترب الإنتاج الوطني من مليون سيارة سنويًا، مدعومًا برفع قدرات مصانع رينو وستيلانتيس، وتوسيع إنتاج صوماكا، إلى جانب مساهمة شركة نيو موتورز المغربية، التي أطلقت أول سيارة كهربائية مصنوعة بالكامل في المغرب.

واستجابة لتزايد حجم الإنتاج، طورت الشركات الكبرى منظومات صناعية خاصة بها. فقد أطلقت رينو منذ 2016 نظامًا بيئيًا صناعيًا رفع عدد مورديها من الفئة الأولى من 26 إلى 76، مع استهداف نسبة إدماج محلي تصل إلى 80% على المدى المتوسط.

من جهتها، استثمرت ستيلانتيس ما يقارب 6 مليارات درهم في مركبها الصناعي بالقنيطرة، والتزمت برفع قيمة التوريد المحلي إلى 3 مليارات يورو بحلول 2025، إلى جانب خلق آلاف مناصب الشغل للمهندسين والتقنيين.

ويلعب ميناء طنجة المتوسط دورًا محوريًا في نجاح القطاع، باعتباره أول ميناء في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا. فالمركبات المنتجة في طنجة والقنيطرة والدار البيضاء تُنقل عبر السكك الحديدية إلى الميناء، قبل تصديرها إلى أكثر من 70 دولة.

ويتميز الميناء بربطه مع 184 ميناءً عالميًا، وقدرة استيعابية تبلغ 9.5 ملايين حاوية سنويًا، ما يمنح المغرب أفضلية تنافسية لوجستية، تتيح إيصال المنتجات إلى إسبانيا خلال 24 ساعة، وفرنسا في 48 ساعة، وباقي أوروبا في 72 ساعة.

وانسجامًا مع التحولات العالمية، يستثمر المغرب بقوة في البحث والتطوير والهندسة الصناعية، خاصة في مجالات السيارات الكهربائية والهجينة.

وتشمل هذه الجهود إنشاء مراكز متخصصة مثل Africa Technical Center، وUTAV CERAM & FEV، وCETIEV 2.0، التي تعزز استقلالية المملكة في الاختبار والمصادقة التقنية.

كما يعمل المغرب على بناء منظومة متكاملة لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية، تمتد من معالجة المعادن الأساسية، إلى إنتاج الخلايا، وصولًا إلى إعادة التدوير، في أقاليم طنجة والقنيطرة والجرف الأصفر.

ويشكل العنصر البشري أحد أبرز مكامن القوة، إذ يبلغ متوسط العمر في المغرب 29 سنة، مع تخرج أكثر من 180 ألف جامعي سنويًا، من بينهم 19 ألف مهندس، تشكل النساء 42% منهم.

ويعزز هذا الزخم وجود معهد التكوين في مهن صناعة السيارات (IFMIA)، الذي يوفر تكوينًا متخصصًا مرتبطًا مباشرة بحاجيات المصانع، بنسبة إدماج مهني تصل إلى 98%.

وبفضل هذه المقومات، لم تعد صناعة السيارات مجرد قطاع صناعي، بل أصبحت رافعة استراتيجية للنمو، ومختبرًا للتحول الصناعي والتكنولوجي في المغرب، مع طموح واضح لمضاعفة الإنتاج إلى مليوني سيارة سنويًا بحلول 2030، وتعزيز موقع المملكة كمركز إقليمي لصناعة المستقبل.

Share
  • Link copied
المقال التالي