لا شك أن غياب أي موقف رسمي مغربي معلن إزاء الاعتراف الإسرائيلي بما يسمى (أرض الصومال) أثار مجموعة من التساؤلات التي يمكن أن نعتبرها مشروعة، خاصة في ظل صدور بيانات رافضة من عدد من الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية.
غير أن هذا الصمت لا يمكن مقاربته بمنطق الانسحاب من المواقف المبدئية أو التراجع عن الثوابت المعلنة، بقدر ما ينبغي فهمه ضمن إطار البراغماتية الاستراتيجية التي باتت تؤطر السياسة الخارجية المغربية خلال السنوات الأخيرة.
هذا الصمت، الذي أثار تساؤلات وانتقادات في بعض الأوساط، لا يمكن قراءته كفراغ سياسي أو تراجع عن الثوابت، بل يمكن اعتباره خيارا محسوبا ينسجم مع منطق راسخ في السياسة الخارجية المغربية خلال السنوات الأخيرة، والتي يمكن أن نطلق عليها بـ”البراغماتية الاستراتيجية”.
ويظهر ذلك بشكل واضح من خلال متابعتنا للدبلوماسية المغربية خلال العقد الأخير، والتي تظهر أن الرباط أصبحت لا تُدير سياستها الخارجية بمنطق الاصطفاف أو رد الفعل، بل تتصرف وفق حساب دقيق للكلفة والمكاسب.
ويتضح ذلك من خلال مشاركة المغرب في عملية عاصفة الحزم سنة 2015، ثم انسحابه التدريجي منها حين تحولت إلى حرب استنزاف بلا أفق سياسي، مثال واضح على هذا المنهج، أي الالتزام حين يخدم المصلحة، والتراجع حين ترتفع الكلفة.
من هذا المنظور، يصبح الصمت المغربي إزاء “أرض الصومال” تعبيرا عن إدارة للمسافة بين التكلفة والمكاسب، وليس ناجما عن تخل عن المبدأ، ذلك أن المغرب الذي يجعل من قضية الصحراء محورا ناظما لسياسته الخارجية، ولاسيما بعد الاعتراف الأممي بالحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية للمملكة، يعي حساسية كل ما يتصل بالاعترافات والكيانات غير المعترف بها دوليا، لكنه يعي أيضا أن الدفاع عن الوحدة الترابية لا يتم دائما عبر البيانات الصاخبة، بل أحيانا عبر تحييد الملفات التي قد تستثمر ضده في لحظات أخرى.
يضاف إلى ذلك تعقيد العلاقة المغربية ـ الإسرائيلية بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية، حيث تختار الرباط إدارة الخلافات بصمت محسوب بدل تحويلها إلى مواجهة علنية لا تضمن مكاسب واضحة.
كما أن القرن الإفريقي أصبح اليوم ساحة المواجهة وتدخلات للمصالح الإقليمية والدولية، وهو فضاء اعتاد المغرب التعامل معه بحذر تفاديا للانجرار إلى صراعات بعيدة عن أولوياته الاستراتيجية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا السلوك الدبلوماسي المغربي يستمد رؤيته من الخطاب الملكي بالقمة الخليجية ـ المغربية سنة 2016 بالرياض، وهو الخطاب الذي رسخ معادلة واضحة عندما رفض الملك محمد السادس في خطابه منطق “الشيك على بياض” في الشراكات الإقليمية، وربط أي التزام خارجي بتقدير دقيق للمصلحة الوطنية، وتحالفات تقاس بميزان المصلحة لا بضغط اللحظة.
ومن هنا، فإن الصمت المغربي في هذا الملف ليس غيابا للموقف، بل شكلا من أشكال الموقف ذاته.
كما أن الخطاب الملكين خلال القمة الخليجية، دشن منهجية جديدة في العلاقات الدولية وفق ما. نسميه بـ “البرغماتية الاستراتيجية” التي تقوم على ضبط الالتزامات، وهي المنهجية نفسها التي تفسر اليوم سياسة الصمت في زمن تتسابق فيه الدول على إصدار البيانات.
إنه الصمت حين يكون الكلام كلفة، وإنه الكلام حين يصبح الصمت عبئا، وهذا في حد ذاته يُعد، في التواصل السياسي، موقفا سياسيا مكتمل الأركان.

تعليقات الزوار ( 0 )