Share
  • Link copied

قابلات غزة على خط النار الأخير: بين نقص الإمكانيات والفقد، يحرسن الحياة ويولدن الأمل وسط الخراب والحصار

في ظل الانهيار الصحي، تقف القابلات في غزة على خط النار الأخير، يحاولن سدّ الفجوة بين الحياة والموت بما تيسّر من خبرة وأدوات شحيحة.
لا يعملن في ظروف مهنية طبيعية، بل في مساحات طوارئ مفتوحة، حيث يتحول العلم إلى شجاعة، والخبرة إلى فعل إنساني خالص.

فالقابلات اليوم لسن مجرد عاملات في المجال الصحي، بل شاهدات وحاميات لبدايات حياة تولد تحت القصف والحصار. ومع كل ولادة يُشرفن عليها، يؤكدن أن إنقاذ الأرواح لا يحتاج فقط إلى تجهيزات، بل إلى حضور إنساني لا يتخلى، رغم أن هذا الحضور نفسه بات مهددًا بالإرهاق والفقد والخطر المستمر.
كانت يدا روند أيوب، القابلة المتنقلة بين مستشفى العودة والمراكز الصحية، ترتجفان وهي تستعد لإجراء عملية ولادة جديدة، ليس بسبب نقص الخبرة، بل بسبب ثِقل المشهد الذي يتكرر كل يوم في غزة بصور أشد قسوة. داخل خيمة بيضاء لا تحجب صوت القصف البعيد ولا رائحة البارود، كانت امرأة شابة تئن بصوت خافت، تحاول أن تتماسك بينما الألم يعصف بجسدها وروحها معًا.
تقول روند إن تلك اللحظات كانت من الأصعب في مسيرتها المهنية، لأن الأم لم تكن تواجه آلام المخاض فقط، بل كانت تحمل حزنًا طازجًا لا يزال ينزف. فقبل يومين فقط، فقدت زوجها في قصف مفاجئ، ولم تجد حتى فرصة لوداعه. كانت عيناها ممتلئتين بالدموع، لكنها أصرت على أن تبقى قوية، كأنها تريد أن تهب طفلها أول درس في الصمود قبل أن يرى النور.
ومع كل دفعة، كانت روند تحاول أن توازن بين مهنيتها ومشاعرها الإنسانية. كانت تسمع ارتجاف صوت الأم وهي تهمس باسم الجنين، وتكرر وصية واحدة: سأسميه على اسم سلفي محمد الذي استشهد في أول الحرب. ذلك الاسم كان حاضرًا في الغرفة أكثر من أي أحد، يحمل ذاكرة الفقد ومعنى الاستمرار في آن واحد.
وعندما بكى الطفل أخيرًا، خيّم صمت قصير قطعته شهقة الأم، ثم ابتسامة صغيرة كسرت حدّة الألم. في تلك اللحظة، شعرت روند أن ولادة هذا الطفل لم تكن حدثًا طبيًا فقط، بل فعل مقاومة صامت، مولودًا جاء إلى العالم محمولًا على حكاية فقد، لكنه محاط بإرادة حياة عنيدة.
وتؤكد روند أن كل ولادة في المستشفى تشبه شهادة جديدة على ما يعيشه أهل غزة، حيث يولد الأطفال بين أصوات القذائف، وتتحول غرف الولادة إلى مساحات تختلط فيها الدموع بالأمل. وتضيف أن ارتجاف يديها في تلك الليلة لم يكن خوفًا، بل إحساسًا بثقل المسؤولية، وبمساحة الألم التي لا تتسع لها القلوب، لكنها رغم ذلك تواصل الخفقان.

كثير من النساء الحوامل يصلن وهن يعانين من فقر الدم وسوء التغذية

كانت ريما نايف، القابلة العاملة في أحد مراكز الإيواء التابعة لـ«الأونروا»، تقف يوميًا في مواجهة تفاصيل قاسية تعكس الواقع الصحي الذي تعيشه النساء والفتيات داخل المخيمات. لا تبدأ قصصها مع الألم من لحظة الولادة فقط، بل تمتد منذ اللحظة الأولى لوصول النساء إليها، مثقلات بأجساد منهكة وقلق لا يفارق العيون، في أماكن تفتقر إلى أبسط مقومات الرعاية والخصوصية.
تقول ريما لـ«القدس العربي» إن جميع المشكلات التي تواجهها مرتبطة بالظروف الصحية الصعبة داخل مراكز الإيواء، حيث يجتمع الاكتظاظ مع نقص المياه النظيفة، وغياب المرافق الصحية المناسبة، وانعدام المتابعة الطبية المنتظمة. كثير من النساء الحوامل يصلن وهن يعانين من فقر الدم وسوء التغذية، وبعضهن لم يخضعن لأي فحص منذ أشهر، في ظل شح الغذاء وصعوبة الحصول على مكملات أساسية.
داخل هذه المساحات الضيقة، تتحول الالتهابات النسائية إلى مشكلة متكررة، خصوصًا بين الفتيات، بسبب غياب مستلزمات النظافة الشخصية وعدم توفر الخصوصية الكافية. وتضيف ريما أن هذه الحالات، التي تبدو بسيطة في الظروف الطبيعية، تصبح أكثر تعقيدًا داخل المخيم، حيث يصعب توفير علاج مناسب أو متابعة منتظمة.
ومع كل حالة، لا تتعامل ريما مع الجانب الصحي فقط، بل تواجه أيضًا أثر الصدمة النفسية التي تعيشها النساء. كثيرات فقدن أزواجهن أو بيوتهن، ويصلن إلى المخاض وهن محاصرات بالخوف والقلق، ما يضاعف من صعوبة الولادة ويثقل كاهلهن الجسدي والنفسي.
في تلك اللحظات، تحاول ريما أن توازن بين مهنيتها ودورها الإنساني، فتمنح النساء شعورًا بالأمان رغم شح الإمكانيات.
وتؤكد ريما أن العمل في مراكز الإيواء يعني اتخاذ قرارات صعبة كل يوم، في ظل خيارات محدودة وإحالات طبية شبه مستحيلة. ورغم ذلك، تستمر، مدفوعة بقناعة أن وجودها إلى جانب النساء في هذه اللحظات الحرجة هو شكل من أشكال حماية الحياة، في أماكن باتت فيها الرعاية الصحية رفاهية نادرة.
وتقول أم أحمد سَعْدة إن ما تعيشه اليوم تجاوز خبرتها الطويلة في هذا المجال.
فخلال خمسةٍ وعشرين عامًا من العمل لم تشهد كارثة تشبه هذه الظروف التي فرضتها الحرب. كانت معتادة على مواجهة حالات صعبة، لكن شيئًا لم يُهيئها لفقدان زوجها وهي لا تزال على رأس عملها. حاولت أن تثبت لغيرها بينما كانت من الداخل تنهار بصمت. خبر استشهاده وصلها فجأة، كصدمة شقّت قلبها نصفين، لكنها لم تملك ترف الانسحاب، فالمكان كان مزدحمًا بالحاجة، والنساء ينتظرن من يمد لهن يد العون. وبعد أيام قليلة فقط، لم يترك لها الواقع فرصة لالتقاط أنفاسها، إذ دخلت ابنتها تهاني في مخاض، لتجد أم أحمد نفسها في أصعب امتحان إنساني ومهني معًا، بين كونها أمًا مكلومة وقابلة تمسك الخيط الرفيع بين الحياة والخطر. وقفت تحاول أن تكتم دموعها وتتماسك، وتقول إن يديها كانتا ثابتتين رغم الارتجاف الذي ينهش قلبها، لأنها كانت تعرف أن أي ضعف قد ينعكس على ابنتها في تلك اللحظات الحرجة.

داخل غرفة الولادة، اختلطت المشاعر بشكل موجع: الخوف على الابنة، والحزن على الزوج الغائب، والمسؤولية الثقيلة التي اعتادت حملها لسنوات. كانت تهمس لتهاني بكلمات طمأنينة، بينما تستعيد في داخلها سنوات الخبرة، محاولة أن تجعلها درعًا يحميهما من الخوف. لم تكن تلك ولادة عادية، بل لحظة كثيفة بالألم والصمود في آن واحد. وعندما وُلد الطفل بسلام، شعرت أم أحمد بأن الحياة تصر على الاستمرار رغم القسوة. تلك اللحظة لم تمحُ الفقد، لكنها منحتها قوة إضافية للاستمرار. تقول إن هذه الحرب لم تسرق زوجها فقط، بل اختبرت جوهرها كامرأة وكقابلة، وجعلتها تدرك أن الخبرة الحقيقية لا تُقاس بالسنوات، بل بالقدرة على الوقوف وسط الخراب، والتمسك بنبض الحياة مهما كان الثمن.
تكشف قصص الولادة في غزة حجم المعركة الصامتة التي تخوضها النساء والقابلات معًا، بعيدًا عن عناوين الأخبار وضجيج السياسة. بين انعدام الرعاية، ونقص الإمكانيات، وثقل الفقد، تُولد الحياة كفعل تحدٍّ يومي، لا كتفصيل عابر. ما يجري داخل الخيام ومراكز الإيواء لا يحتاج إلى تعاطف مؤقت، بل إلى اعتراف حقيقي بحق النساء في ولادة آمنة، وبضرورة دعم القابلات اللواتي يحملن عبء هذه المرحلة بأجساد مرهقة وقلوب مثقلة.

Share
  • Link copied
المقال التالي