مع توالي الأنباء المتضاربة حول اعتقال الرئيس الفنزويلي وتسفيره خارج بلاده، وتباين الروايات بشأن مصير القيادة السياسية والعسكرية في كراكاس، ينهض سؤال جوهري يُطرح بإلحاح كبير: كيف انتهى بلد يملك واحدا من أكبر احتياطات النفط في العالم إلى هذا المستوى من الهشاشة والانكشاف؟
هذا السؤال ليس دافعه الفضول السياسي العابر، بل إنه نابع من حاجة ملحة إلى وعي تاريخي وسياسي بمرحلة ما بعد الزلازل الكبرى التي تضرب العالم، حيث تتساقط الدول بالتصدعات الداخلية قبل الغزو الخارجي.
وقبل أن نسبر ونقسم، كما يقول الفقهاء، نلفت الانتباه إلى أننا لا نهدف إلى تبرئة السياسة الأمريكية، ولا إلى تلميع العقوبات بوصفها أداة أخلاقية أو إنسانية.
إن ما نود أن نذهب إليه من خلال قراءتنا لتجربة فنزويلا، أن الانهيار لم يكن ماركة مسجلة مستوردة من الخارج، بل إنها عملية تمت صياغتها في الداخل، وذلك عبر سنوات من سوء الإدارة، والأخطاء البنيوية، والأهم عبر خيانة داخلية ارتكبتها زعامات شعبوية رفعت اسم “الشعب” بينما كانت في الواقع تصادر الشعب وتستعمله ذروعا بشرية لخدمة مصالحها.
لقد جرى تقديم الشعبوية بوصفها سياسة، بينما كانت في جوهرها أيديولوجيا تعبئة دائمة، تتقدم الشعارات على حساب المؤسسات، ويفضل الولاء على حساب الكفاءة، ويُحول فيها النفط من فرصة سانحة لتنمية الدولة والمجتمع إلى أداة للسيطرة السياسية.
فبدلا من تنويع الاقتصاد، جرى تسييس الريع، وبدلا من إدارة شركة النفط الوطنية بمنطق الاحتراف، أُديرت بمنطق الاصطفاف والولاء، وبدلا من إصلاح الاختلالات، فُرضت سياسات ضبط إداري للأسعار وسعر الصرف التي عطلت السوق، وتم تمويل العجز بطباعة النقود.
وهكذا أصبحت النتيجة معروفة، تضخم مفرط، انهيار للعملة، تراجع حاد في الإنتاج النفطي، وشلل في الاستثمار، وصولا إلى هجرة جماعية بملايين من البشر منذ عام 2014.
وكل ذلك سبق العقوبات أو تزامن مع بداياتها، ما يكشف أن الجرح كان داخليا قبل أن يتم استثماره على الصعيد الخارجي.
لقد تمت عملية اختطاف الدولة من داخلها، لا عبر انقلاب صريح، بل عبر تفريغها البطيء من الكفاءة، وتحويلها إلى شبكة محسوبيات عاجزة عن التخطيط أو الإصلاح.
أما على المستوى السياسي، فقد كانت الكلفة فادحة، إذ عمقت السلطة أزمتها عبر تغليب الأدلجة على السياسة، وجرى تحويل الخلاف السياسي إلى معركة بقاء صفرية، وهكذا جرى تضييق المجال العام، وتآكل استقلال القضاء، وتجفيف إمكانات التسوية الداخلية.
وهنا تحديدا تتبدى الخيانة الكبرى، خيانة الدولة باسم الدفاع عنها، وخيانة المجتمع باسم تمثيله، لأن الزعامات الشعبوية ليست زعامات شعبية بالمعنى الحقيقي، إذ إن الشعبية يتم امتحانها واختبارها بقدرتها على حماية المجتمع وبناء مؤسساته، لا بتعبئته الدائمة ضد خصوم متخيلين.
ومع مرور الوقت واستفحال الازمة بنيويا، يكون الجواب مزيدا من التشدد، لا مزيدا من الحكمة، ومزيدا من الشعارات، لا مزيدا من السياسات، وهو ما راكم الكلفة الاجتماعية وضيق الخيارات إلى حد الاختناق.
وخلاصة القول، إن فنزويلا لم تنهر لأنها فقيرة، فهي غنية إلى حد الوفرة، لكنها انهارت لأنها أُديرت بعقيدة حكم خلطت بين الدولة والحزب، وبين الوطن والزعيم، ففتحت الباب أمام ضغط خارجي وجد هشاشة جاهزة للاستثمار.
والدول السليمة لا تسقط بالعقوبات كما يشهد على ذلك التاريخ الراهن في أكثر من دولة، والأمثلة كثيرة، لكن العقوبات تسرع من سقوط الدول المريضة التي خانتها نخبها من الداخل، كما حدث اليوم في فنزويلا، لأن الدول لا تبنى بالشعارات ولا بزعامات تتغذى على الخوف والتعبئة، بل تبنى بسياسة رشيدة، ومؤسسات قوية، ومعادلة متوازنة بين الكفاءة والولاء.
وحين تتقدم الشعبوية على الدولة فلن تحمي الشعب أبدا، بل تستنزفه باسم الدفاع عنه.

تعليقات الزوار ( 0 )