خلال إحدى الجلسات النادرة التي حضرها رئيس الحكومة في البرلمان، ضمن ما يُعرف بجلسات المساءلة الشهرية، بدا أن حرارة الطقس و”حرارة” تدخلات المعارضة قد أثّرت على أعصاب السيد الرئيس. فبينما كان يحاول، كعادته، تقديم تبريرات سياسية بلغة اقتصادية، زلّ لسانه هذه المرة زلة كشفت المكنون، وأفرجت عما ظل مضمرا.
ففي معرض رده على مداخلة فريق العدالة والتنمية، لم يتوان السيد أخنوش عن الكشف، وربما عن غير قصد، عن ما يشبه “الفرقة الناجية المنجية” من رجال المال والأعمال الذين يزكيهم ضمنيا، لا بصفته شيخ زاوية، بل كرئيس حكومة يملك مفاتيح الاستثمار والتوجيه الاقتصادي. فقد صرح بكل وضوح أنه يعرف ثلثي المستثمرين ورجال الأعمال في المغرب شخصيا.
وبلهجة تحذيرية أقرب إلى التهديد قال: “إذا بقيتم تهاجموني، فلن يشتغل أحد”، وكأننا أمام اقتصاد قائم على شبكة من التزكيات الشخصية لا على قوانين المنافسة الحرة.
إن هذا التصريح، في جوهره، لا يكشف فقط عن علاقة زبونية متجذّرة بين رأس السلطة التنفيذية وأقطاب الاقتصاد، بل يعري واقعا مقلقا تُدار فيه شؤون الدولة بمنطق التكتلات الأوليغارشية، حيث يتداخل القرار السياسي مع المصالح الخاصة في غياب تام لمبدأ تكافؤ الفرص.
الرئيس، وهو يتحدث بنبرة من يرى في نفسه حارس المعبد الاقتصادي، قدم لنا صورة مرعبة عن واقع الاستثمار في المغرب: لا يكفي أن تكون كفؤا أو تحمل مشروعا واعدا، بل ينبغي أن تكون ضمن “الدائرة المُباركة”… رجلاً، صاحب سلطة أو نفوذ، وربما حائزا على شهادة “الرضا”.
وهكذا يظهر الوجه الحقيقي للمنظومة الاقتصادية: ذكورية مقنعة تغلف بحديث عن “التمكين” و”الليبرالية الاجتماعية”، لكنها في العمق تكرس الريع وتحاصر المبادرات الحرة، وتضع العراقيل أمام ولوج المقاولات الصغرى إلى قطاعات حيوية تحولت إلى بقرات حلوب تُحلب حصراً من قبل المتنفذين.
ومن سوء طالع السيد الرئيس، أن استعراضه “الملحمي” لإنجازات الحكومة في قطاع الصحة تزامن مع خروج ساكنة بوكماز في مسيرة احتجاجية تطالب بأبسط شروط العيش الكريم، في دلالة واضحة على الفشل الذريع للسياسات العمومية، ولـ”مشروع الدولة الاجتماعية” الذي تحول إلى شعار أجوف.
واقع القطاع الصحي، كما يعرف الجميع، يتخبط في أزمات خانقة: خصاص في الأطر، هشاشة البنيات، وضعف التجهيزات، إضافة إلى تحويل اعتمادات الصناديق الاجتماعية نحو القطاع الخاص، بدلا من دعم المستشفيات العمومية وتوفير مقومات الصمود.
ولعل الأخطر من كل ذلك، أن هذا النموذج الاقتصادي الذي يفتخر به رئيس الحكومة لا يفرز ثروة ولا يخدم الدولة ولا المواطن، بل يعمّق الفجوات، ويعزز الاحتكار، ويمنح الامتيازات للـ”معارف” في صفقات الماء والغاز والمحروقات واستيراد اللحوم، كل ذلك خارج رقابة البرلمان، بعد رفض تشكيل لجنة تقصي الحقائق في ملف المحروقات.
فإذا كان هذا ما يُقصد بـ”الاشتغال” في منطق السيد الرئيس، فإنه أقرب إلى الاستغلال. وإن كان هذا هو مفهومه عن تحريك عجلة الاقتصاد، فإننا أمام فهم مشوَّه يخلط بين تسيير الدولة وتسييج الامتيازات.
ختاماً، لقد كشف لنا السيد الرئيس، من حيث لا يدري، أن الاستثمار في المغرب لا يحتاج فقط إلى رأس مال… بل إلى رأس يُطأطئ، ولسان يُسبح، ويد تُقبّل… وتلك، لعَمري، ليست سياسة، بل طاعة!

تعليقات الزوار ( 0 )