Share
  • Link copied

شلل السياسة التعليمية بالمغرب: أزمة مشروع… لا صدام إداري!

من المؤسف أن تُختزل مأساة المدرسة العمومية في المغرب في مشهد درامي لصراع بين مدير ومفتش. فهذه الصورة، وإن وُجدت أحياناً، ليست سوى تفصيل صغير داخل فيلم طويل عنوانه: فشل السياسة التعليمية. الأزمة في جوهرها ليست خلافاً إدارياً، بل انهيار مشروع وطني للتربية حين تراجعت الدولة الاجتماعية، وتلاشت فكرة المدرسة كرافعة للمواطنة والعدالة.

1. فشل سياسي واجتماعي يتجاوز أسوار المدرسة

إن إخفاق السياسة التعليمية بالمغرب ليس نتاج خطإ إداري أو عطب تقني، بل ثمرة فشل سياسي واجتماعي متراكم؛ حيث تراجعت الدولة عن دورها الاجتماعي، وصارت المدرسة ملفاً مالياً أكثر منها مشروعاً وطنياً. لم تُبنَ سياسة تعليمية مستقلة، بل جرى تنفيذ إصلاحات استجابة لتوصيات مؤسسات مالية دولية ركزت على المؤشرات الرقمية بدل الإنسان.

والحصيلة واضحة:

  • تمويل غير كافٍ أو موجَّه وفق أولويات اقتصادية قبل أن تكون تربوية؛
  • هشاشة شغلية قائمة على التعاقد بدل الاستقرار؛
  • ومناهج متذبذبة بين ضغوط خارجية وغياب رؤية وطنية منسجمة.

2. الفوارق القروية… الجرح المفتوح

يظل العالم القروي المرآة الأكثر صدقاً.
مدارس بلا بنية تحتية، أقسام مكتظة، أطفال يقطعون كيلومترات يومياً، ونقل مدرسي شبه غائب.
وبحسب البنك الدولي (2023)، لا تتجاوز نسبة الولوج للتعليم الأولي في القرى 62% مقابل 79% في المدن، أي أن الفشل يبدأ قبل سن التمدرس.

هذا الواقع ليس قدراً، بل نتيجة سياسة توزيع غير عادلة للموارد، وتخطيط مركزي بعيد عن الميدان. الفوارق المجالية ليست تقنية، بل سياسية: من تستثمر فيه الدولة… ومن تتركه للصدفة؟

3. المدير والمفتش… تناقض ثانوي لا جوهر الأزمة

حين يدفع المسؤولون بأن “الأزمة صراع بين مدير ومفتش”، فإنهم يتجاهلون أن هذا الصدام نتيجة لا سبب.
فالقوانين التنظيمية تُشتّت الأدوار بدل توحيدها، والحوكمة ضعيفة، والموارد محدودة.
المديرون والمفتشون يتحملون مسؤوليات كبيرة دون امتلاك الأدوات اللازمة.

إنه تناقض ثانوي داخل فشل بنيوي أكبر:
غياب رؤية، ضعف التكوين، وترك الفاعلين التربويين في مواجهة بيروقراطية مجهدة.

4. إصلاحات مشتتة… ورؤية غائبة

تتوالى البرامج والمشاريع: تجريب الدعم، مراجعات المناهج، تشديد شروط التوظيف… لكنها جميعاً تتحرك من دون بوصلة وطنية.
ما لم يكن الإصلاح جزءاً من تصور مجتمعي شامل يعيد للتعليم مركزيته، فسيظل مجرد ترميم لجدران متصدعة.

الإصلاح الحقيقي يقتضي:

  • توظيفاً مستقراً يعيد الثقة؛
  • تكويناً مستمراً وفعّالاً؛
  • تمويلاً عادلاً يردم الفوارق المجالية؛
  • وحوكمة محلية تمنح المدارس قدرة فعلية على اتخاذ القرار.

5. التمويل الخارجي… سيادة تربوية مرهونة

من أخطر ما أصاب المدرسة المغربية أن إصلاحاتها أضحت تُبنى وفق شروط التمويل الخارجي.
وبدل أن تلبي البرامج حاجات الطفل المغربي، غدت تسعى لإرضاء مؤشرات وتقارير دولية.
وعندما تُقاس جودة التعليم بعدد الوثائق والاجتماعات والمشاريع التجريبية، يضيع جوهر الرسالة التربوية لصالح “النجاعة الإحصائية”.

السؤال الجوهري: متى يستعيد المغرب سيادته على قراراته التعليمية؟

6. نحو مدرسة الريادة… بإرادة لا بشعارات

لا تُبنى مدرسة الريادة بالشعارات أو الخطط المعلّبة، بل بإرادة سياسية جريئة تعيد التعليم إلى صلب المشروع الوطني.
المدرسة التي نطمح إليها هي مدرسة:

  1. عادلة وممولة بإنصاف: توزيع عادل للموارد، بنية تحتية لائقة، واستثمار جدي في التعليم المبكر.
  2. مستقلة وفعالة: صلاحيات تنفيذية للمؤسسات التعليمية ومساءلة شفافة.
  3. مبنية على تكوين مستمر: يربط النظرية بالممارسة ويستجيب لواقع الفصول.
  4. ذات رؤية وطنية مستقلة: متحررة من أجندات المانحين، ومتمسكة بدورها التنويري.

7. خلاصة تأملية

اختزال أزمة التعليم في صراع شخصي بين مدير ومفتش هو إخفاء لجبل من الإخفاقات وراء إبرة من التبرير.
الأزمة ليست في الأفراد، بل في سياسة تعليمية بلا بوصلة، وحكومات لم تتحلَّ بالشجاعة لبلورة مشروع وطني متكامل.
لا إصلاح للتعليم من دون إصلاح السياسات العامة التي توجهه، ومن دون إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية كحق جماعي ومصير مشترك.

إن التلميذ المغربي لا ينتظر خطابات جديدة، بل مدرسة تمنحه كرامة التعلم وعدالة الفرص — في كل قرية، وفي كل مدينة.

حتى لا نبقى نعيد ترتيب الأثاث داخل بيت تشققت جدرانه.

تحية ووردة وقبلة على جبين كل مدير مؤسسة، وعلى جبين كل مفتش.

المراجع (مختصرة):

  • البنك الدولي – Government Expenditure on Education (2023)
  • وزارة التربية الوطنية – حصيلة الموسم الدراسي 2023/2024
  • اليونسكو (UIS) – مؤشرات جودة التعليم بالمغرب (2024)
  • أرشيف النقابة الوطنية للتعليم (كدش)
  • اليونيسيف – Les Enfants au Maroc (2024)
Share
  • Link copied
المقال التالي