Share
  • Link copied

حين يُحمى الفساد وتُخنق الحقيقة خمس وقائع تكشف أزمة الثقة في المغرب

     خمس وقائع في أقل من شهرين كانت كافية لتعرية الواقع المغربي، وتلخيص أعطاب السياسة الحكومية الحالية في محاربة الفساد، ومن خلفها أعطاب الذات الحزبية في علاقتها بالمجتمع المغربي. ولا شك أنها سوف تُفاقِمُ أزمة انحدار الثقة في مؤسسات الدولة، وتدهور المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في ظل حكومة “أخنوش”. خمس وقائع أعادت إلى الواجهة السؤال حول الدرع الواقي للفساد في المغرب، وحول دور الهيئات الرقابية التي تحاسب المسؤولين عن الاختلالات الجسيمة في التدبير. المواطن المغربي البسيط يشعر بأن هناك من يوفر الغطاء السياسي لهذه النخب الفاسدة في البلاد، وإلا كيف يفلت مسؤولون حكوميون وأشخاص نافذون من العقاب، رغم وجود معطيات دقيقة وموثقة تتعلق بشبهات التلاعب في الصفقات، والتهرب الضريبي، والتزوير، والتدخل في القضاء، واستغلال النفوذ، والشطط في استعمال السلطة…

     هذه الوقائع نوردها حسب تواريخ حدوثها كالآتي:  

     الواقعة الأولى: تمرير صفقات أدوية بين وزيرين في الحكومة

     عقد مجلس النواب جلسة عمومية يوم الخميس 13 نونبر 2025، خُصصت لمناقشة عامة للجزء الأول من مشروع قانون المالية لسنة 2026. وخلال الجلسة، فجَّر رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية “عبد الله بوانو” فضيحة من العيار الثقيل، حين صرَّح بوجود صفقة بين وزير الصحة “أمين التهراوي” وزميل له في الحكومة يملك شركة للمواد الصيدلية، في إشارة إلى وزير التربية الوطنية “محمد سعد برادة”، تتعلق (الصفقة) بدواء “كاسيل” الذي تم استيراده من الصين بعيدا عن المساطر المعمول بها في البلاد.

     كما انتقد في السياق ذاته، سياسة الاغتناء التي تنهجها بعض المصحات الخاصة من جيوب المواطنين في ظرفية اقتصادية حساسة، عنوانها الأبرز انهيار القدرة الشرائية لدى الطبقة المتوسطة. وذلك من خلال شرائها لأدوية (منها أدوية السرطان) بسعر منخفض يتراوح بين 600 و800 درهم فقط، في حين يُحسب ثمنه حسب الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ب 4000 درهم. وهذه الخروقات هي ثابتة بالوثائق ــ حسب النائب البرلماني ــ وتشهد على جرم يتعلق بشبهة تضارب المصالح، وازدواجية سلطة المناصب الحكومية.

     ما يزكي الرأي القائل بأن هذه الحكومة ليست فقط غير جادة في محاربة ظاهرة الفساد، التي تكلف المغرب خسائر مالية خيالية تقدر ب 50 مليار درهم كل سنة، بل هي ركن من أركان الفساد. والمؤشرات على ذلك كثيرة، أذكر منها ثلاثة فقط:

1 ــ سحب قانون تجريم الإثراء غير المشروع؛

2 ــ عدم انعقاد اللجنة الوطنية لمحاربة الفساد منذ تولي هذه الحكومة مهامها؛

3 ــ أن معظم شبهات تضارب المصالح التي هزت المشهد السياسي المغربي، كان لوزراء (أو مقربين منهم) في الحكومة نصيب منها؛

     الواقعة الثانية: التضييق على حرية الصحافة

     في 20 نونبر 2025، نشر الصحفي “حميد المهداوي” على قناته الخاصة “موقع بديل” عبر اليوتيوب، مقطعا مسرَّبا من جلسة سرية، نُسِبَتْ لثلاثة أعضاء من لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية للهيئة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر، يتداولون في شكاية ضده على نار هادئة حطبها الانتقام ورمادها التآمر، ويخططون مسطريا لإنهاء مسيرته المهنية بإيعاز من جهات نافذة في البلاد. وذلك في انتهاك صريح لاستقلالية مهنة الصحافة، ومحاولة بئيسة لاستهداف المنابر الإعلامية الحرة، وإسكات الأصوات المنتقدة التي تنقل الحقيقة بكل أمانة وشجاعة، وترفض التطبيع مع الفساد. الشيء الذي أدانته النقابة الوطنية للصحافة المغربية في بيان لها نُشر في يومه، معتبرة أن ما ورد في التسجيل من معطيات خطيرة: “يمس روح التنظيم الذاتي للمهنة ونزاهة القطاع واستقلاليته، ناهيك عن رعونة محاولات توريط المؤسسة القضائية في استهداف ملفات بعض الصحفيين”.

     ما يدعو للاستغراب في الواقعة هو أنه عوض أن تُرَكَّزَ الجهود على فتح تحقيق قانوني في مضمون الفيديو المنسوب لمداولات لجنة التأديب داخل المجلس الوطني للصحافة، للتأكد من شبهة التواطؤ ومحاولة التأثير في مواقف تتعلق بملفات لا تزال جارية أمام القضاء، تركزت الجهود، كل الجهود، على ظروف التسريب لمعرفة من سجل المقطع؟ ومن سرَّبه بدون علم أصحابه؟ ومن أوصله إلى الصحفي “المهداوي”؟ لكأن المس باستقلالية القضاء أهون في بلادي الحبيبة من تسريب مقطع يكشف مظهرا من مظاهر الفساد صوتا وصورة.

     هكذا، فإن لجنة الأخلاق التي وُكِلت إليها مهمة تخليق مهنة الصحافة، وضمان الحياد المؤسساتي، انحازت إلى جهات لها علاقة بالملف القضائي قبل البث فيه، ورتَّبت مع سبق الإصرار والترصد للانتقام من رجل يشهد له الرأي العام بنزاهته، ولا نزكي على الله أحدا. ويا للأسف الشديد! الحارس الأمين للحقيقة جرح كل الحقيقة، وفضَّل أن يكون حارسا للحديقة.

     الواقعة الثالثة: ملف اختبارات الأئمة والخطباء

     قضت محكمة الاستئناف ببني ملال يوم الأربعاء 26 نونبر 2025، بإلغاء الحكم الابتدائي الصادر في حق رئيس المجلس العلمي المحلي بخنيفرة، وتبرئته من جميع التهم المنسوبة إليه فيما عُرف إعلاميا بملف “تزوير اختبارات التأهيل”، حيث كانت المحكمة الابتدائية قد أدانته بتهمة التزوير في 08 أكتوبر 2025، وحكمت عليه بثلاثة أشهر موقوفة التنفيذ، مع غرامة مالية قدرها 2000 درهم. بالمقابل، أيَّدَتْ المحكمة الحكم الصادر ابتدائيا في حق العضو السابق بالمجلس “إدريس الإدريسي”، مع تشديد العقوبة عليه إلى ثلاثة أشهر حبسا نافذا، وذلك بعد متابعته بتهمة الوشاية الكاذبة.  

     قرار محكمة الاستئناف خلَّف موجة غضب كبيرة بين الساكنة المحلية، الذين خرجوا في تظاهرة دعت إليها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، يوم الخميس 4 دجنبر 2025، رفع فيها المتظاهرون شعارات تطالب بكشف الحقيقة، ومحاسبة المتورطين في شبهات التزوير. كما خلَّف الحكم المذكور تضامنا واسعا مع الإمام “إدريس الإدريسي” في أوساط الرأي العام وعلى منصات التواصل الاجتماعي، خصوصا وأن محاضر الشهود في الحكم الابتدائي أثبتت حدوث التزوير. وعبَّر النشطاء عن استغرابهم من تعامل هيئات الرقابة مع رمز من رموز الدفاع عن النزاهة داخل المجلس العلمي! فبدل أن نكرم الْمُبَلِّغِينَ عن الفساد، ونوفر لهم الحماية القانونية، نتابعهم قضائيا بتهم ثقيلة حتى نخوف الناس، فلا يتجرأ أحد مرة أخرة على التبليغ عن الفساد داخل المؤسسات. وهو ما فسره عدد من المحللين والمراقبين بتعمد هذه الحكومة تكريس ثقافة الإفلات من العقاب.  

     هذا، وقد عبَّر المعني “إدريس الإدريسي” عن شكوكه في وجود استهداف ضده. ولذلك ظهر وهو يجمع مرايا الحقيقة المكسورة بجلباب مقلوب أمام الملأ، ولسان حاله يقول: إن تغيير الحكم 360 درجة غير مفهوم، ويؤكد أن خلفيات الاستئناف غير سليمة.

     الواقعة الرابعة: تجريم التشكيك في نزاهة الانتخابات

     في اجتماع لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية بمجلس النواب يوم الخميس 27 نونبر 2025، والذي خُصِّصَ لمناقشة (والتصويت على) التعديلات المتعلقة بمشروع القانون التنظيمي لمجلس النواب؛ رفض وزير الداخلية “عبد الوافي لفتيت” كل المقترحات التعديلية التي تقدمت بها المعارضة حول مشاريع القوانين الانتخابية، والرامية ــ حسب رأي أطراف المعارضة ــ إلى تخليق الحياة السياسية، واستعادة ثقة المواطنين في العملية الديمقراطية في الاستحقاقات القادمة. وشملت هذه المقترحات عدة إجراءات لها علاقة ب: اللوائح الانتخابية؛ تجديد النخب؛ تضارب المصالح؛ القاسم الانتخابي…

     وزير الداخلية في كل مرة يسأله رئيس الجلسة عن رأيه في التعديل المقترح من قبل المعارضة، كان يجيب بجملة واحدة: “تعديل غير مقبول”. وقد برر السيد الوزير رفضه القاطع لمجمل التعديلات المتعلقة بمشاريع القوانين الانتخابية بأنه ضرورة لتحصين العملية الانتخابية، وأن “المطلوب حماية صورة المؤسسات”.

     التعديل الوحيد الذي صادقت لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية بمجلس النواب، كانت قد تقدمت به الحكومة للفقرة الثانية من المادة 51 المكررة، ويتعلق بالعقوبات المقررة في حق من يشككون في صدقية الانتخابات. هذه المادة بالذات رأى فيها نواب المعارضة محاولة لتكميم الأفواه، وتقييد المراقبة الشعبية للانتخابات، وعَدُّوهُ تضييقا على حرية التعبير وقمع الحريات. ذلك أن السلطة يمكنها استغلال هذه المادة القانونية الفضفاضة لملاحقة أي مواطن نشر صورا أو مقاطع فيديو توثق لبعض التجاوزات أثناء الحملة الانتخابية، وكذلك لمعاقبة أي صحفي أو حقوقي أو سياسي كشف عن خروقات في تدبير العملية الانتخابية.

     في ظل هذه القوانين الانتخابية الحالية، يبقى تخوف قوى المعارضة مشروعا من إضعاف المشهد التمثيلي بمخرجات لا تصب في مصلحة المواطن، وربما إعادة إنتاج نسخة ثانية من تشكيلة 08 شتنبر 2021، بسيناريو جديد. وهو ما حذا بوزير الداخلية إلى طمأنة المعارضة قائلا: “سأقدم استقالتي إذا ثبت أن القوانين الانتخابية تخدم طرفا سياسيا”. فهل يكفي تعهد السيد الوزير لإعادة شروط بناء الثقة بين المواطن والعملية الانتخابية؟

     الواقعة الخامسة: التطاول على نواب الأمة

     شهدت الجلسة العمومية لمجلس النواب يوم الاثنين 01 دجنبر 2025، والتي كانت مخصصة للأسئلة الشفهية الأسبوعية، شهدت مواجهةً كلامية شرسة بين وزير العدل “عبد اللطيف وهبي”، والنائب البرلماني “عبد الصمد حيكر”، تلفظ فيها وزير العدل بكلام مسيء في وجه النائب البرلماني، وقال عبارة حاطة بالكرامة الإنسانية حين عَيَّره بوالده. وقد عمد رئيس الجلسة “إدريس اشطيبي” إلى تعليق أشغال الجلسة، وطرد النائب البرلماني “حيكر”.

     وتعود فصول الواقعة إلى تطاول وزير العدل على نائبة من المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، التي كانت تقوم بدورها في مراقبة العمل الحكومي، واصفا مرافعتها حول قضية من قضايا مدونة الأسرة (وبنبرة حادة فيها الكثير من التعالي والاستفزاز) ب “بيان الثورة”. هذا السلوك من وزير العدل اعتبره سياسيون وحقوقيون اعتداءً لفظيا على ممثلي الأمة، ومساسا بالاحترام الواجب للمؤسسة التشريعية، لأنه سيكرس انطباعا سيئا في ذهن المواطن تجاه المؤسسات الدستورية، ويعمق أزمة العزوف بهذا النوع من الخطاب السياسي المتدني.

     ما يدعو للاستغراب في هذه الواقعة أمران اثنان:

ــ أحدهما: أن هذه الإساءة جاءت من وزير العدل شخصيا، الذي يُفترض فيه أن يزن كلامه بميزان من قانون تفاديا لأية إساءة لفظية قد تعرضه للمساءلة، خاصة وأنه سبق وطالب الصحفي “حميد المهداوي” بتعويض قدره مليار سنتيم للسبب ذاته، بتهمة “السب والقذف والمس بالحياة الخاصة”، مدعيا أن كرامته تساوي أكثر من هذا المبلغ. وبالفعل قضت المحكمة الابتدائية لفائدته بإدانة “المهداوي” بسنة ونصف حبسا، وغرامة مالية قدرها 150 مليون سنتيم. المفارقة في الموضوع أن وزير العدل غَرَّمَ “المهداوي” لأنه أساء إلى شخصه حين سَبَّهُ، واكتفى بالتأسف لمن أساء إليهم بالسب بذريعة أنه كان منفعلا جدا. وصدق من قال: “مَنْ أَمِنَ العقوبةَ، أساء الأدب”.

ــ ثانيهما: أن الوزير “وهبي” حين دخل في سجال مع نواب العدالة والتنمية، وأخذته العِزَّة بالإثم، لم يتوقف عن عربدته رغم المناشدات الكثيرة من رئيس الجلسة، ومن عدد من نواب البرلمان المحترمين، إلا بعد تدخل وزير الداخلية “عبد الوافي لفتيت” شخصيا، وهو الوحيد الذي استطاع إخراجه من القاعة. ولا يملك الإنسان إلا أن يقول في نفسه: “شيلاه أ المخزن”.

          في نهاية هذا الموضوع، أقول إن واقع الحال السياسي الذي نعيشه لم يعد يسر أحدا، ولن نتوقع من النخب حلا لأزماتنا الاقتصادية والاجتماعية في الحاضر ولا المستقبل، لأن هذه النخب هي جزء لا يتجزأ من الأزمة. لكن حال الواقع السياسي الذي نحلم به جميعا لن يأتي بترك الإصلاح وقد عمَّ الفساد. ذلك أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بمحاربة الفساد، ومحاربة الفساد تحتاج إلى تضحيات ومشاركة سياسية واعية وفعل مدني فاعل، وتحتاج إلى تحمل المسؤولية الجماعية والفردية لتحقيق أثر طيب طويل الأمد. فالإنسان هو صانع الإصلاح، أو هو صانع الفساد.

Share
  • Link copied
المقال التالي