في مشهد يعكس حيوية ثقافية متنامية، احتضنت مدينة الدار البيضاء، مطلع دجنبر الجاري، أول معرض للكتاب ينظمه “تجمع النشر المغربي الجديد” (CNEM)، وهو فضاء جمع كتّابًا شبابًا وناشرين مستقلين وقراءً متعطشين لأصوات أدبية جديدة، في محاولة لكسر العزلة التي تطبع مسار الكتاب الجدد داخل منظومة نشر توصف بأنها “مجزأة وضعيفة البنية”.
وعلى مدى ثلاثة أيام، تحولت قاعة “أرتوريوم” إلى منصة للنقاش والقراءات والورشات التفاعلية، ضمن مبادرة أطلقها “نادي كتاب” التابع للمؤسسة الثقافية لشركة الأشغال العامة بالدار البيضاء، بهدف خلق نقطة التقاء نادرة بين المبدعين الجدد وفاعلي النشر المستقل.
بالنسبة لأحمد الفلاح، الكاتب والمخرج المسرحي القادم من الرباط، شكّل المعرض فرصة رمزية كبيرة، معتبرا أنه “يفتح أفقًا ممكنًا للقاء ناشر وجمهور مستعد للإصغاء”، في سياق يعاني فيه الكاتب الشاب من صعوبة الولوج إلى عالم النشر.
هذه الصعوبات أكّدها أول تقرير رسمي تصدره المكتبة الوطنية للمملكة المغربية حول قطاع النشر، والذي رصد صدور 3725 عنوانًا خلال سنتي 2023-2024، بزيادة تقارب 7 في المائة مقارنة بالسنة السابقة.
غير أن التقرير نفسه كشف عن اختلالات بنيوية عميقة، أبرزها ضعف التوزيع، ومحدودية عدد دور النشر القادرة على الاستثمار في المواهب الجديدة.
وأوضح التقرير أن 643 كتابًا صدرت بالنشر الذاتي، أي ما يعادل 20 في المائة من مجموع الإصدارات، وهو مؤشر على غياب بنية مهنية متكاملة، رغم وجود حوالي 300 دار نشر، أغلبها صغيرة الحجم ولا تصدر سوى عنوان أو عنوانين سنويًا، مع تركّز النشاط أساسًا في الرباط والدار البيضاء.
كما أشار إلى أن أقل من 10 في المائة من الكتب المغربية متاحة بصيغة رقمية، في وقت ما يزال فيه النشر الإلكتروني شبه غائب، مقابل سوق واسعة للكتب المقرصنة، التي تُباع بأسعار زهيدة في عدد من المدن.
كنزة صفريوي، مؤسسة دار “En Toutes Lettres” ومنظمة المعرض، وصفت منظومة النشر بالمغرب بأنها “غير مهيكلة بشكل كاف”، مشيرة إلى الضغوط التي يواجهها الناشرون المستقلون أمام الموزعين الكبار، وغياب إطار قانوني واضح، وتأثيرات القرصنة والاقتناء العمومي المباشر.
وأضافت أن المغرب يفتقر إلى سياسة عمومية واضحة للقراءة، حيث يتم التركيز على تظاهرات ظرفية بدل الاستثمار في مكتبات عمومية قوية وتشريعات مستدامة، ما يحدّ من ولوج فئات واسعة من المواطنين إلى الثقافة.
من جهتها، أوضحت عبير معتمد، عن اتحاد كتاب المغرب، أن النشر الذاتي يضع الكاتب أمام أعباء مالية وإدارية كبيرة، تبدأ بالحصول على ترخيص من المكتبة الوطنية، ولا تنتهي بتكاليف الطبع والتوزيع والترويج، مؤكدة أن “ما ينفقه الكاتب غالبًا يفوق ما يجنيه من كتابه”.
ورغم هذه العراقيل، يبرز جيل أدبي جديد يعكس تحولات المجتمع المغربي، ويتناول قضايا البيئة، وحقوق النساء، والعدالة الاجتماعية، بمنهجيات حديثة تراعي تعقيد الواقع. وترى صفريوي أن مواكبة هذه الأصوات “مسؤولية مهنية وأخلاقية” للناشرين.
غير أن هذا الزخم، بحسب الفاعلين، لن يحقق أثرًا واسعًا دون سياسة ثقافية طموحة. إذ يحذر أحمد الفلاح من أن المبادرات المعزولة “قد تظل محدودة الأثر”، فيما تشدد صفريوي على أن بناء منظومة صحية للنشر يقتضي إصلاح التعليم، ودعم البحث، وضمان حرية التعبير.
وقدّم معرض الدار البيضاء، في محصلته، صورة مكثفة عن واقع الأدب المغربي اليوم: طاقات شابة واعدة، يقابلها قطاع هش، لكنه قابل للتطور إذا توفرت الإرادة والسياسات الملائمة.

تعليقات الزوار ( 0 )