لم تكن استضافة المغرب لكأس إفريقيا للأمم 2025 مجرد تظاهرة رياضية عابرة، بل شكّلت محطة سياسية ورمزية لافتة في مسار المملكة على المستويين القاري والدولي.
فقد كشفت البطولة، منذ أيامها الأولى، عن أبعاد تتجاوز المستطيل الأخضر، لتضع الرياضة في صلب أدوات القوة الناعمة التي يوظفها المغرب لتعزيز صورته كدولة مستقرة، منظمة، وقادرة على احتضان كبريات التظاهرات الدولية.
وفي هذا السياق، اعتبر الباحث الفرنسي في العلوم السياسية سيباستيان بوسوا، في مقال رأي نشرته صحيفة La Tribune الفرنسية بتاريخ 5 يناير 2026، أن تنظيم “كان 2025” يمثل «ضربة دبلوماسية رياضية حقيقية» للمغرب، ويعكس نجاح استراتيجية طويلة الأمد قادتها المؤسسة الملكية في توظيف الرياضة كرافعة للنفوذ والشرعية الدولية.
من الناحية التنظيمية، برزت البطولة كاختبار ناجح للبنية التحتية المغربية، سواء على مستوى الملاعب، أو شبكات النقل، أو القدرة اللوجستية والأمنية.
امتلأت المدرجات، وسارت المنافسات دون اختلالات كبرى، فيما حظيت التغطية الإعلامية الدولية بنبرة إيجابية، عززت صورة المغرب كوجهة موثوقة لتنظيم الأحداث الكبرى، في قارة غالباً ما تواجه تحديات في هذا المجال.
وسياسياً، أعادت بعض الأصوات في البداية طرح تساؤلات حول غياب الملك محمد السادس عن حفل الافتتاح، غير أن هذا النقاش سرعان ما تراجع أمام الزخم العام للنجاح التنظيمي والشعبي.
فالمؤشرات الميدانية، بحسب متابعين، أظهرت أن الرهان الحقيقي لم يكن مرتبطاً بالحضور البروتوكولي، بقدر ما كان مرتبطاً بقدرة الدولة على إدارة حدث قاري بهذا الحجم، وهو ما تحقق بالفعل.
وفي مقابل هذا الغياب، لفت الحضور المتكرر لولي العهد الأمير مولاي الحسن الأنظار، سواء في المدرجات أو خلال الاستقبالات الرسمية.
حضور حمل دلالات سياسية ورمزية، إذ رآه محللون مؤشراً على انتقال ناعم ومدروس في تمثلات المؤسسة الملكية، ورسالة داخلية وخارجية مفادها أن الدولة تفكر في الاستمرارية وتعدّ أجيالها القادمة بهدوء.
وبحسبه، فإن الرهان المغربي على الرياضة لا ينفصل عن أفق أوسع، يتمثل في الاستعداد المشترك لتنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال.
فـ“كان 2025” بدت، في هذا المعنى، تمريناً عملياً واسع النطاق، اختُبرت فيه الجاهزية التقنية، والقدرة على التنسيق الدولي، وإدارة التدفقات البشرية والإعلامية، بما يعزز ثقة الشركاء والمؤسسات الرياضية العالمية.
وأبعد من الأرقام والمباريات، تؤشر التجربة إلى نموذج مغربي يقوم على ربط التنمية بالبنية التحتية، والاستثمار بالاستقرار، والرياضة بالسياسة.
نموذج يسعى، وفق مراقبين، إلى ترسيخ موقع المملكة كقوة إقليمية هادئة، تستخدم أدوات ناعمة وفعالة بدل الخطاب التصادمي، في بيئة إقليمية ودولية تتسم بقدر كبير من الاضطراب.
وبذلك، لا تبدو كأس إفريقيا للأمم 2025 مجرد بطولة أضيفت إلى سجل المنافسات القارية، بل محطة مفصلية في مسار دبلوماسي أوسع، جعل من كرة القدم لغة سياسية عالمية، ومن الملاعب فضاءً جديداً لتثبيت النفوذ وبناء الصورة.

تعليقات الزوار ( 0 )