يعيش المحيط الأطلسي بين المغرب وإسبانيا على وقع واحدة من أعقد ملفات القانون البحري المعاصر: ترسيم الحدود البحرية، تمديد الجرف القاري، وإدارة المجال الجوي فوق الصحراء المغربية، وكلها قضايا تأخذ بعداً جديداً في ضوء التقارب السياسي بين الرباط ومدريد، وصعود المغرب كقوة أطلسية صاعدة.
ففي عمق هذا الجدل يبرز اسم جبل “مونتي تروبيك”، الجبل البحري الغارق على عمق يتجاوز 3.000 متر، والمصنف كأحد أغنى التكوينات الجيولوجية بالمعادن الحيوية للانتقال الطاقي، مثل التيلوريوم والكوبالت. ورغم أن استغلاله لن يكون ممكناً قبل عقدين أو ثلاثة، إلا أن رهان النفوذ والاستباق القانوني بدأ فعلياً.
وتشكل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) حجر الزاوية في أي تفاوض بحري بين الدول. ورغم أن بعض الأصوات في إسبانيا تتمسك بخط المنتصف بين جزر الكناري والساحل المغربي، إلا أن الاتفاقية واضحة: الإنصاف هو العامود الفقري لأي ترسيم، خصوصاً حين يتعلق الأمر بـ”ساحل قاري ممتد” مقابل “أرخبيل غير متمتع بصفة الدولة”.
ومن هذا المنطلق، ترتكز المقاربة المغربية على ثلاثة مبادئ: الالتزام الحرفي بالقانون الدولي؛ ورفض أي “أمر واقع” أحادي الجانب؛ ثم اعتماد الإنصاف بدل الهندسة الجافة للخطوط.
وهو ما تعززه تصريحات وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة منذ 2020، وتجدد خلال 2025، مؤكدة أن المغرب لا ينطلق من حسابات تقنية ضيقة، بل من رؤية سيادية مستندة إلى القانون الدولي.
ومع إصدار القانونين 37-17 و38-17، أعاد المغرب رسم حدوده البحرية وفق مقتضيات UNCLOS، مثبتاً 200 ميل بحري كمنطقة اقتصادية خالصة، ومطلقاً دينامية جديدة تتيح له لاحقاً تقديم ملف متكامل إلى لجنة حدود الجرف القاري (CLCS) من أجل الوصول إلى 350 ميلاً.
وتعتبر مدريد هذه الخطوة “مشروعة”، خصوصاً أنها قامت بخطوة مماثلة سنة 2010.
ويُعد جبل “تروبيك” أحد أكثر الملفات حساسية بين البلدين، حيث يقع في منطقة تستوجب تنسيقاً بين الموقفين المغربي والإسباني؛ يرتبط بشكل مباشر بملفات تمديد الجرف القاري؛ كما تتداخل فيه اعتبارات جيولوجية واقتصادية وبيئية؛وتمنع سلطة أعماق البحار الدولية أي اندفاعة نحو الاستغلال قبل ضمانات بيئية صارمة.
ورغم التنافس الهادئ، إلا أن القانون الدولي يفتح الباب أمام منطقة تطوير مشتركة (JDZ) تتيح تقاسم الدراسات والمردود المستقبلي، وهو ما تراه الرباط ومدريد خياراً عملياً يجنّب الطرفين التصادم.
ومنذ عقود، ظل جزء من إدارة الملاحة الجوية جنوب المغرب من اختصاص مركز مراقبة جزر الكناري، لأسباب تقنية تاريخية لا علاقة لها بالسيادة.
لكن تغيّر موازين السياسة الدولية، وصدور قرار مجلس الأمن 2797 لسنة 2025 الذي يكرس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، أعادا النقاش إلى سكته الطبيعية.
وبناءً على خريطة طريق 2022 بين الرباط ومدريد، انطلقت مفاوضات تقنية لنقل إدارة المجال الجوي تدريجياً إلى المغرب، وفق المعايير الدولية لـ منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO).
وتذهب أغلب التحليلات إلى أنّ الظرفية الحالية هي الأكثر ملاءمة منذ 50 عاماً لعقد اتفاق بحري-جوي شامل بين البلدين.
وهذا الاتفاق المحتمل يمكن أن يرتكز على ترسيم قانوني جديد قائم على الإنصاف؛إنشاء منطقة تطوير مشتركة بجبل تروبيك؛وتنسيق تقني مشترك قبل اللجوء إلى CLCS؛ وآلية دائمة للتشاور حول الاستغلال البحري والطاقة؛ وانتقال كامل لإدارة المجال الجوي بالجنوب إلى المملكة.
ولا يمكن فصل كل هذه الملفات عن التحولات الاستراتيجية في المنطقة:بروز المغرب كقوة أطلسية بفضل موانئ طنجة المتوسط والداخلة الأطلسي؛ ومشروع خط الغاز الأطلسي الإفريقي؛ ومبادرة الملك محمد السادس لجعل الساحل الإفريقي منفذاً أطلسياً؛ ثم تحوّل جزر الكناري نفسها إلى منصة طاقة وتجريب تكنولوجي.
وفي هذا السياق، يصبح التعاون البحري والأطلسي ليس مجرد تسوية حدود، بل جزءاً من هندسة جيوسياسية أوسع تُحوّل غرب البحر المتوسط إلى فضاء استراتيجي متشابك المصالح.
وتجمع كل المؤشرات على أن الرباط ومدريد أمام لحظة نادرة لإعادة كتابة تاريخ حدودهما البحرية والجوية. النموذج الذي يجري بناؤه اليوم قد يتحول لاحقاً إلى مرجع دولي في كيفية إدارة الموارد البحرية العميقة وحماية البيئة وضمان الاستقرار الإقليمي.
ذلك أن الملف لم يعد مجرد نزاع حدودي، بل اختبار لقدرة الضفتين على تحويل الجغرافيا إلى شراكة، والمحيط الأطلسي إلى فضاء تعاون بدل التنافس.

تعليقات الزوار ( 0 )