Share
  • Link copied

القرآن بوصفه عقلا مُؤسسا: من لاهوت النص إلى فلسفة المعنى عند عباس محمود العقاد

ليس كتاب «الفلسفة القرآنية» لعباس محمود العقاد محاولةً لأسلمة الفلسفة ولا لتفلسف الدين، بل هو مشروع لإعادة تأسيس العلاقة بين الوحي والعقل من داخل النص القرآني ذاته، بوصفه نظامًا للمعنى لا مجرد مخزونٍ من الأحكام. إنّ القرآن، في هذا الأفق، لا يُقرأ باعتباره خطابًا يقدّم إجابات جاهزة، بل بوصفه بنية استدلالية تولِّد الأسئلة وتدرّب الوعي على ممارسة التفكير. هنا تتكوَّن ما يمكن تسميته بـ«العقل القرآني»، أي ذلك النمط من العقل الذي لا ينفصل فيه الإيمان عن النظر، ولا يُختزل فيه العقل إلى أداة تقنية، بل يتحوّل إلى قوة تأويلية داخل أفق الهداية.

بهذا المعنى، يحرّر العقاد النص القرآني من القراءة التلقينية التي تحوّله إلى خطاب إكراه، كما يحرّره من القراءة التجزيئية التي تختزله في فتاوى وأحكام، ليعيد إدخاله في مجاله الطبيعي بوصفه رؤية للعالم. فالفلسفة القرآنية ليست بناءً ميتافيزيقيًا فوق النص، بل انكشافٌ لبنيته الداخلية كخطاب يؤسس لنمط خاص من العقلانية، عقلانيةٍ لا تقوم على استقلال العقل عن الوحي، ولا على تعطيله باسمه، بل على إدماجه في أفقه.

القرآن، كما يفهمه العقاد، لا يخاطب الإنسان بوصفه متلقيًا سلبيًا، بل بوصفه ذاتًا مسؤولة عن فهم الوجود. ولهذا يحتلّ السؤال في النص القرآني موقعًا تأسيسيًا. إنّه ليس أداة بلاغية، بل آلية معرفية، لأن السؤال هو ما يوقظ العقل من سباته ويحرّره من سكون التقليد. ومن هنا تتأسس علاقة متميزة بين الإيمان والعقل، لا تقوم على التنافي بل على التساند. فالإيمان لا يُلغِي التفكير، بل يمنحه وجهته، والعقل لا يناقض الوحي، بل يُفعِّل إمكاناته الدلالية في التاريخ.

في هذا السياق يعيد العقاد قراءة العلم في القرآن، لا بوصفه حيادًا معرفيًا، بل بوصفه فعلًا أخلاقيًا. فالعلم الذي ينفصل عن الغاية يتحوّل إلى قوة عمياء، بينما العلم في الرؤية القرآنية مرتبط بمقصد عمارة الحياة. إنّ الكون، في هذا المنظور، ليس مادة صمّاء، بل نصًّا مفتوحًا للقراءة، وكل اكتشاف هو في جوهره استجابة لسؤال زرعه الوحي في العقل الإنساني. هكذا تتحوّل المعرفة من تملك للطبيعة إلى حوار معها، ومن سيطرة إلى مسؤولية.

أما الأخلاق، فلا تظهر في التصور القرآني كملحق للسلوك، بل كبنية أنطولوجية في الإنسان. القيم ليست أوامر خارجية، بل تعبير عن كرامة متجذّرة في الوجود الإنساني. العدل ليس موازنة بين قوى، بل تحقيق لمعنى الوجود المشترك، والرحمة ليست عاطفة بل نظامًا لتوزيع الإنسانية داخل المجتمع. هكذا يصبح الإنسان في القرآن ذاتًا أخلاقية قبل أن يكون فاعلًا سياسيًا أو اقتصاديًا، ويصبح الفعل الأخلاقي هو ما يمنح الفعل الاجتماعي شرعيته.

وفي مجال الحكم والمجتمع، يبرز القرآن بوصفه نقدًا دائمًا لكل أشكال التقديس السياسي. السلطة فيه ليست امتيازًا ميتافيزيقيًا، بل وظيفة أخلاقية، والمجتمع ليس تراتبًا جامدًا بل شبكة مسؤوليات. المرأة، في هذا الأفق، ليست موضوع وصاية بل شريكة في بناء المعنى الاجتماعي. والتشريع القرآني لا يعمل بمنطق القطيعة، بل بمنطق الإصلاح التاريخي، حيث يتقدّم المبدأ على الشكل، والمقصد على الحرف.

غير أن العمق الفلسفي الأقصى للتصور القرآني يظهر في معالجته لقضايا الغيب. فالغيب ليس نفيًا للعقل، بل أفقه الأعلى. الله ليس فرضية فيزيائية، بل مركزًا للمعنى، يضمن وحدة الوجود الأخلاقي للعالم. والآخرة ليست تعويضًا عن الدنيا، بل استكمالًا لمنطق العدالة فيها. بهذا تتحوّل الميتافيزيقا القرآنية من خطاب عن الماوراء إلى نظام لتأويل الحاضر، لأن العالم الذي لا يُحاسَب فيه الظلم يفقد بنيته المعنوية.

من هنا يمكن القول إنّ العقاد لا يقدّم فلسفة للقرآن، بل يكشف القرآن بوصفه فلسفة. فلسفة لا تبحث عن الحقيقة في تجريدات ذهنية، بل في شبكة العلاقات بين الإنسان والعالم والمعنى. عقلها ليس عقل السيطرة، بل عقل الفهم، ووحيها ليس خطاب إغلاق، بل أفق انفتاح. وفي هذا التداخل بين النص والعقل يولد نموذج جديد للتفكير العربي، لا يستنسخ الفلسفة اليونانية، ولا ينغلق في لاهوت تقليدي، بل يؤسّس لما يمكن تسميته «العقلانية الإيمانية»، حيث يصبح الإيمان طريقة في التفكير، ويغدو التفكير شكلًا من أشكال العبادة.

Share
  • Link copied
المقال التالي