عادت بعض المنابر الإسبانية، خاصة في جزر الكناري، إلى محاولة قراءة التحركات الدفاعية المغربية بمنطق القلق والريبة، عقب تقارير تحدثت عن تقدّم المحادثات بين الرباط وواشنطن بشأن احتمال حصول المغرب على مقاتلات F-35 المتطورة.
وبالرغم من أن الأمر ما يزال في إطار المشاورات التقنية، إلا أن الصحافة الإسبانية سارعت إلى تقديم السيناريو في صورة “تهديد مباشر” للمجال الجوي للكناري. وهي رواية تتكرر كلما صادق المغرب على برامج لتحديث قدراته الدفاعية.
والحقيقة أن المغرب، مثل غيره من الدول، يتفاعل مع بيئة جيوسياسية مضطربة في المنطقة المغاربية. الجزائر، الجار الشرقي، ضاعفت في السنوات الأخيرة وارداتها من السلاح الروسي، وعلى رأسها مقاتلات “سوخوي”، ما جعل المنطقة تشهد اختلالاً في التوازن الجوي. ومع ذلك، نادراً ما تنتقد الصحافة الإسبانية هذا المسار، بينما تُركز حصراً على أي خطوة مغربية.
وبالنسبة للرباط، تحديث الدفاع الوطني مشروع استراتيجي طويل الأمد، يدخل ضمن رؤية تهدف إلى تعزيز السيادة، ومواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية، وضمان حماية المجال الجوي والبحري للمملكة، خصوصاً في ظل التحولات السريعة التي يعرفها المجال العسكري عالمياً.
ولا جديد في أن المغرب يعدّ شريكاً موثوقاً للولايات المتحدة في إفريقيا ومنطقة المتوسط. التعاون العسكري بين البلدين قائم منذ عقود، ومناورات “الأسد الإفريقي” تعكس حجم هذا التنسيق. ومن الطبيعي، ضمن هذا الإطار، أن تناقش الرباط مع واشنطن إمكانيات الارتقاء بقدراتها الجوية.
وفي حال امتلاك المغرب لطائرات من الجيل الخامس مثل F-35، فسيكون ذلك خطوة منسجمة مع توجهه نحو الرفع من جاهزية قواته الجوية وتطوير قدراته التكنولوجية، وليس جزءاً من سباق تسلح موجه ضد طرف معيّن، كما تحاول بعض الأقلام الإسبانية الإيحاء بذلك.
ومشروع قانون المالية لسنة 2026، الذي سجل زيادة في الموارد المخصصة للدفاع، أحدث تفاعلات واسعة في الإعلام الإسباني. غير أن هذه الزيادة، التي تندرج ضمن برنامج إصلاح شامل بدأ منذ سنوات، تظل منطقية بالنظر إلى التحديات الأمنية في المنطقة.
فالمغرب يخصص حوالي 3.4% من ناتجه الداخلي الخام للدفاع، وهي نسبة معقولة مقارنة بالمعايير الدولية، وتبقى أقل من نسب دول أخرى تعيش في محيط جيوسياسي مشابه.
واللافت أن إثارة موضوع F-35 تأتي في وقت تواجه فيه مدريد نقاشاً داخلياً صعباً حول مستقبل سلاحها الجوي بعد التخلي عن خيار اقتناء المقاتلة الأمريكية. وبدل تقديم تحليل موضوعي لخياراتها، تُفضّل بعض الصحف تحويل الأنظار نحو المغرب عبر عناوين مثيرة من قبيل “تهديد المجال الجوي للكناري”.
كما أن تلويح بعض السياسيين المحليين بـ“خطر مغربي” صار أسلوباً انتخابياً مألوفاً في الجزر، خاصة عندما تتعلق القضايا بالدفاع أو الهجرة.
ولا تعكس هذه العناوين حقيقة السياسة الدفاعية للمغرب، الذي ظل دائماً حريصاً على بناء علاقات متوازنة مع إسبانيا، وعلى احترام القواعد الدولية للملاحة الجوية والبحرية، فضلاً عن حفاظه على تعاون أمني واستخباراتي وثيق مع مدريد، كان له أثر مباشر في حماية الاستقرار في جزر الكناري نفسها.
إن تقوية القدرات الدفاعية المغربية لا تستهدف إسبانيا، ولا تدخل في إطار خلق توتر جديد بين البلدين، بل هي جزء من رؤية وطنية لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي.
ويبدو أن بعض وسائل الإعلام الإسبانية ما زالت تُصرّ على قراءة التطور العسكري المغربي بمنطق الخوف، رغم وضوح السياسة الدفاعية للمملكة وشفافيتها.
وفي ظل عالم يتغير بسرعة، من الطبيعي أن يعمل المغرب على تحديث قدراته لضمان أمنه واستقراره. أما محاولات التهويل، فلا تعكس حقيقة العلاقات الثنائية بقدر ما تعكس توتراً داخلياً في المشهد الإسباني.

تعليقات الزوار ( 0 )