Share
  • Link copied

الدكتور أحمد العالمي يناقش جذور التعددية الفكرية في التعليم العباسي

يبدو أن التعريف بمعنى كلمة التعليم يكون سهل المنال في الوهلة الأولى ، غير أن المتمعن و المتأمل فيها ، قد يحتار في إمكانيات تحديد مضامينها و تعدد معانيها. و يمكن ارجاع صعوبة التحديد هذه كونها تتشكل في كل مرحلة تاريخية بشكل مختلف. و في اطار اختلاف و تعدد هذه الكلمة في سياق التاريخ ، استضافت شعبة علم الاجتماع بمسلكيها ( علم الاجتماع و الفلسفة) الدكتور أحمد العالمي ، في كلية الآداب و العلوم الإنسانية ، بغرض إلقاء درس افتتاحي بعنوان ^ التعليم في العصر العباسي و أثره في تشكيل التعددية الفكرية^ و ذلك يوم الأربعاء 10 دجنبر 2025
سير الدرس الدكتور فريد أبي بكر و هو أستاذ بنفس الشعبة داخل الكلية ، و كانت الكلمة الأولى لسيد عميد الكلية و التي ألقاها بالنيابة عنه السيد نائب العميد عبد اللطيف مكاني الذي رحب بجميع الحضور أساتذة ، باحثين و طلبة، لهذا الدرس الافتتاحي الذي اعتبره لقاءا مميزا و متميزا، مبديا قيمة التاريخ في العلوم الاجتماعية ، بالإضافة الى الثناء و الشكر على الأستاذ كونه تحمل أعباء السفر و طرح موضوع مهم في الكلية الآداب و العلوم الإنسانية بني ملال.
و جرى افتتاح الكلمة الثانية من طرف الدكتور عبد الهادي الحلحول ، أستاذ في شعبة علم الاجتماع بالكلية و منسق ماستر سوسيولوجيا التنمية المحلية بها أيضا، و بعد ترحابه بالجميع، و توجيه الشكر للأستاذ ، قدم شكرا خاصا باسم كل الزملاء في الشعبة ، للجامعة في شخصها السيد العميد ونائبه ، معبرا عن مدى ربط أوصال التعاون من خلالهما لإنجاح جل الأنشطة الفكرية و العلمية التي تنظم بالكلية.
و عرج مسير الجلسة الدكتور فريد ابي بكر ، للحديث عن موضوع الدرس الافتتاحي ، آثار تشكيل التعددية الفكرية في العصر العباسي من خلال التعليم، و رأى أن الموضوع سيكون مفيد لسببين ، الأول لانه يتعلق بالتعليم و مسألة التي ينبغي لهذا التعليم أن يكون عليها ، و الثاني كونه يتطرق لفترة زهية من تاريخنا و حضارتنا الإسلامية.
عبر الدكتور أحمد العالمي في بداية كلمته٫ عن مدى امتنانه و شكره للمنظمون و الحاضرون ، لدرس الافتتاحي و على دعوتهم لهم و حفاوة ترحابهم به، و انطلق في مقدمة درسه بفكرة لابن خلدون حول ان الحاضر دائما ما يفسره الماضي و أنه لا وجود لظاهرة لا تجد أصولها في الماضي. ما يجعل التفكير في الحاضر من خلال الحاضر ، عائق يفوت على الباحث الكثير من القضايا التي تفسر ذلك الحاضر، ما يجعل الماضي دائما يحضر كأداة من بين أدوات أخرى لإدراك ما يحضر في لحظة ما.
و تطرقت كلمة الدكتور لمسألة التعليم ، كموضوع اصبح مطروحا في مختلف المجتمعات و تحدث عنه العديد من المفكرين و الفلاسفة ، الا ان ما سيوجه مداخلته حول هذا الموضوع ، هو كيف كان هذا التعليم في الحقبة العباسية؟
ليشير لأسباب و دواعي اختباره لهذه الحقبة ، كونها الحقبة التي تم من خلالها تدوين أغلب العلوم الاسلامية ، لغوية كانت ، فقهية او دينية . كما ان هذه الحقبة حسب أحمد العالمي هي الانطلاقة الفعلية لما يعرف بحركة الترجمة، فان كان الموروث الاغريقي حسبه ، قد انتقل إلى الفكر الروماني ثم الامبراطورية البيزنطية و وصولا الى العربية عن الرومانية. فيمكن اعتبار هذه الفلسفة الاغريقية لم تترك آثر في تلك الحضارات بقدر ما كان في هذه الحقبة العباسية ، حيث كانت تجلب الكتب الاغريقية و تترجم للعربية سواء عبر مترجمين سريال أو بتعاون بين العرب و المسيحيين .
و هذا الاحتفاء و الابداع الذي حصل من خلال الفلسفة الاغريقية سواء في العلوم ، الفلك ، الطب، قد يراه البعض حسب الأستاذ ، أنه عصف بهوية العالم الإسلامي و أصل العرب ، بيد أنها لم تعصف بقدر ما ظل هناك تجاوب و تفاعل و تأسيس لفكر عربي إسلامي بنظرة اصيلة، متنوعة و مختلفة.
ليضيف طارحا سؤالا آخر لدرسه ، يتعلق بما هي الدواعي و الأسباب التي ساهمت في هذا التحول و الاهتمام بالآخر غرارا عن الحضارتين الرومانية و البيزنطية ؟ و قد تكون الأسباب عديدة و متعددة الا ان ما سيكون موضوع للنقاش هو ما سيوجه هذا الدرس هو موضوع التعليم و كيف كان في العصر العباسي ، و خصوصا المرحلة الأولى من هذا العصر.
و حدد الدكتور التعليم في الحقبة الأولى من العصر العباسي ، هو ما يحدث بالضرورة داخل العالم الإسلامي في الجوامع ، التي كانت تبتدئ مع المتعلمين من خلال الكتاتيب القرآنية٫ عبر حفظ القرآن و بعض الاحاديث النبوية مرورا الى الشعر و الحساب، غير إن الجوامع لعبت أدوار ريادية في العديد من المجالات ، فكانت لها أدوار سياسية و أخرى اجتماعية ، غير أنها لم تتحمل أي أدوار اقتصادية ، عكس المسيحية ، الذي يرى المفكر أحمد العالمي أنه سبب الانشقاق بين كل من البروتستانتية و الكاثولكية خصوصا مسألة بيع صكوك الغفران. إضافة الى آن التعليم في المسيحية لم يكن متاح للعموم و كانت الدراسة تقوم بشكل مغلق في الأديار و الكنائس.
و يرجع أسباب تدشين المساجد الفسيحة في تلك الحقبة ٫ كون أن الجوامع أصبحت تعبر عن كونها جامعات حقيقة ، و كون ان الجوامع هي بيوت الله و هذه الأخيرة في دلالتها الانثروبولوجيا هي بيت جميع المسلمين أي في ملكية الجميع و يحق للجميع ان يلجها و لا يمكن لأحد أن يمنعه.
و يرى الدكتور أخمد العالمي أن الجوامع في تلك الحقبة ترسي نظامها التعلمي عن مجموعة من الضوابط و الأسس التي تسمح لهذه التعددية الفكرية أن تزدهر ، و لخصها في ما يلي :

  • المساواة بين الاعراق: ينبغي حسب المحاضر أن نفهم إن العصر العباسي كانت هناك مساوة بين الأعراق و الأجناس ، و لم يكن التعليم حكرا على العرب بل كان حظ الموالي موازي لحظ العرب من العلم.
  • المساوات بين مختلف الطبقات: يرى أحمد العالمي أن أبواب العلم هي مفتوحة في تلك الحقبة امام جميع الطبقات و لم يكن حصرا على طبقة بعينها، و يضرب مثال بتلميذ ابي حنيفة النعمان ، أبو يوسف القاضي الذي كان يعيش الفاقة.
    و استرسل في مداخلته بالإشارة الى مجموعة من المصادر ، التي تبرز أن مبدأ الانصاف كان أساسيا لازدهار العلم في تلك الفترة ، و للعديد من المفكرين و الفقهاء الذين برزوا في حقبة العصر العباسي، لعدم وجود السياسة الانتقائية.
    و تحت سؤال ،كيف كان يتم التعليم؟ قدم الفيلسوف أحمد العالمي محوره الأخير في الدرس الافتتاحي ، و أشار للعديد من النقاط في هذا المحور٬ أهمها أن من حق كل طالب للعلم ، اختيار الحلقة التي يحبذ التحلق حولها و لا يفرض عليه اتباع دروس شيخ او فقيه بعينه ، كما لا يفرض عليه تتبع موضوع حلقة ما ( بلاغة – الفقه – الشعر ..)و من حق الفقيه اختيار الدروس التي تبدو له انها نافعة لطلبته دون تدخل أي شخص في ما سيحدده . و ان كانت الدولة لا تتدخل سياسيا في تحديد الدروس و لا مواضيع الدرس ، فهي أيضا لا تتدخل في دفع الأموال للفقهاء٫ ما يجعل الطلبة هم من يدفعون عن الدروس لهم ، بقدر استطاعتهم و دون تحديد من الأستاذ.
    و بالعودة لمبدأ الانصاف ، يرى أحمد العالمي أن تنظيم تحلق الطلبة كان يتم بشكل مضبوط و يدرج فيه مبدأ الاستحقاق و الكفاءة ، حيث أوضح أن الطلبة المتفوقون هم من يجلسون بجانب الأستاذ ، و مسألة القرب و البعد تتأطر عبر نظام الكفاءة لا غير .
    واختتم محاضرته باختصار النتائج التي تترتب عن هذا النوع من التدريس في الحقبة العباسية:
    1- ما دامت الحرية هي التي تحكم الأستاذ و الطالب في اختياره ولا تتدخل الدولة في نهج الدروس، أدى الأمر الى خلق تعددية في المدارس و التوجهات الفكرية.
    2- النتيجة الثانية اعتبارها أحمد العالمي ذات بعد انسي ، حيث اصبح المسلم آنذاك في سلسلة إنسانية من بداية الانسان و وصولا اليه .
    و أشار في نهاية مداخلته بالإشارة إلى الأسباب الثاوية خلف بداية أفول الحقبة الأولى من العصر العباسي ، مع ظهور المدارس السلجوقية و الفاطمية و كيف أصبحت الدول تتدخل بشكل مباشر بعدما نصبت نفسها طرفا ، لدفع أرزاق الفقهاء و الطلبة. بُغية امتثالهم لما تفرضه عليهم من ايديولوجيات تختارها .
    عرف اختتام الدرس، مجموعة من التفاعلات القيمة للأساتذة ، و الباحثين و الطلبة ، بقاعة الندوة ، مع ما قدمه الدكتور أحمد العالمي و الذي بدوره تفاعل معها و نقشها، بأسلوبه الهادئ و الحكيم ، كما عبر أساتذة شعبة علم الاجتماع بالكلية على امتنانهم الكبير ، عبر تقديم بعض الجوائز رمزية للأستاذ
Share
  • Link copied
المقال التالي