من بوابة الصحراء، في أقصى جنوب المغرب، يعلو صوت سوق “أمحيريش” قرب كلميم، أكبر سوق للجمال في البلاد وأكثرها شهرة. هنا، حيث تتقاطع طرق القوافل القديمة وتلتقي حكايات المقاومين والرُّحَّل، تتكشّف اليوم أزمة صامتة تهدد واحدا من أقدم رموز الهوية الصحراوية المغربية: الجمل.
تقرير فرنسي حديث بثّته إذاعة RFI كشف حجم التحدي الذي يواجهه مربّو الإبل في جنوب المملكة، في ظل تغيّر مناخي يعصف بالمراعي، وارتفاع غير مسبوق في تكاليف التربية، وتقلّص تدريجي لأعداد هذا الحيوان الذي شكّل عبر قرون ركيزة حياة واقتصاد وثقافة.
يقول محمد، شاب في الثالثة والثلاثين يرث مهنة تربية الإبل عن آبائه، إن “الجمل مثل الابن… هو جزء من عائلتك وهويتك، وأجمل هدية يمكن أن تقدمها في الصحراء هي جمل”.
وبحسب التقرير، فإن هاته الكلمات تعبّر عن عمق الارتباط الثقافي بين الإنسان الصحراوي وهذا الحيوان الذي مثّل في يوم من الأيام وسيلة عيش وتنقل وكرم.
غير أن هذا الإرث مهدد اليوم. فعلى امتداد السنوات العشر الأخيرة، باتت موجات الجفاف أطول وأقسى، وانحسر الغطاء النباتي الذي تعتمد عليه القطعان.
مولود، مربٍّ آخر في الأربعين، يلخص بمرارة: “الوضع مقلق… نشتري العلف بعدما كانت الصحراء تكفينا. تكاليف الرعاة والأعلاف ارتفعت بشكل جنوني، وحتى الرعاة المغاربة لم يعودوا يصمدون في المهنة”.
ويضيف أن أجور الرعاة باتت تتراوح بين 300 و400 يورو شهريا، ما دفع العديد من المربين إلى الاستعانة برعاة من موريتانيا، وسط نقص حاد في اليد العاملة المحلية.
ولا يقف التحدي عند المناخ وحده؛ فمساحات شاسعة من الأراضي التقليدية للرعي تتحول اليوم إلى أراضٍ زراعية بفضل المياه الجوفية. وهذا التحول ضيّق الخناق على مربّي الإبل، وجعل الرعي التقليدي أكثر كلفة وتعقيداً.
ورغم أهميته التاريخية والثقافية، فإن الجمل لا يحتل وزناً كبيراً في الإنتاج الحيواني مقارنة بالبقر مثلا. فإنتاج لحوم الإبل في المغرب بلغ حوالي أربعة آلاف طن سنة 2023، مقابل 257 ألف طن من لحوم الأبقار. ما يثير سؤالا حول مستقبل هذا القطاع إذا استمرت العوامل نفسها في الضغط عليه.
المفارقة أن دولا أخرى في القارة تسلك اتجاها مغايرا تماما. ففي شمال كينيا، دفعت موجات الجفاف المتكررة المزارعين إلى استبدال الأبقار بالجمال، باعتبارها أكثر قدرة على التكيف مع آثار تغير المناخ.
فالجمل قادر على الصمود أسبوعا كاملا بلا ماء، ويتغذى على نباتات جافة لا تصلح لغيره، وينتج ستة أضعاف ما تنتجه الأبقار من الحليب. هذه القدرة جعلت كينيا اليوم أكبر منتج لحليب الإبل في العالم بأكثر من 1.165 مليون لتر سنويا.
والسؤال الذي يطرحه التقرير الفرنسي هو نفسه الذي يفرض نفسه في المغرب: هل نترك الجمل، رمز الصحراء وذاكرة الرُّحَّل، يتآكل أمام أعيننا، أم نعيد إدماجه ضمن رؤية تنموية جديدة تأخذ بعين الاعتبار التحولات المناخية؟
وبذلت المملكة جهودا مهمة لتنظيم القطاع وتثمين سلسلة إنتاجه، لكن التحديات أصبحت أكبر من قدرة المربين وحدهم. والمسألة لم تعد مرتبطة فقط بتراث صحراوي، بل بقدرة المغرب على تحويل الجمل إلى خيار استراتيجي في مواجهة المناخ القاسي، كما فعلت كينيا.
وأشار التقرير، إلى أن الجمل اليوم ليس مجرد حيوان يرعى في الصحراء؛ إنه جزء من هوية وطنية، وركن من تراث إنساني مهدد، وربما ـ وهذا الأهم ـ حل اقتصادي وبيئي لمستقبل يسير بسرعة نحو مزيد من الجفاف والتصحر.

تعليقات الزوار ( 0 )