Share
  • Link copied

أوروبا تفتح أبوابها للدواجن المغربية… واحتجاجات تعصف بالحقول الإسبانية

أثار قرار الاتحاد الأوروبي السماح لأول مرة بدخول لحوم الدجاج والديك الرومي القادمة من المغرب إلى أسواقه، عاصفة من الغضب داخل القطاع الزراعي الإسباني، الذي وصف خطوة بروكسيل بأنها “طعنة في الظهر” تأتي في لحظة يعاني فيها مربّو الدواجن من أزمة غير مسبوقة.

لكن خلف هذا التوتر الصاخب في مدريد، تبرز قصة أخرى: صعود المغرب كلاعب زراعي وغذائي واثق داخل السوق الأوروبية، واستمرار إعادة تشكيل ميزان القوى في حوض المتوسط.

وسمح قرار تعديل اللائحة الأوروبية 2022/1040، والذي نُشر في الجريدة الرسمية للاتحاد نهاية يونيو، رسمياً باستيراد اللحوم البيضاء المغربية بعد تقييمات صحية اعتبرتها بروكسيل “مطابقة للمعايير الأوروبية”.

وهذا التغيير، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، جاء بمثابة زلزال داخل إسبانيا، البلد الذي يُعد ثاني أكبر منتج للدواجن في أوروبا ويخشى من المنافسة المغربية المباشرة.

ففي حين تعتبر مدريد القرار تهديداً لآلاف المزارع المهدَّدة بالإفلاس، يرى خبراء في الرباط أن الخطوة تعكس الثقة المتزايدة التي أصبحت توليها المؤسسات الأوروبية للمنتوج الغذائي المغربي، سواء في الفواكه والخضر أو الأسماك أو الدواجن، وتظهر قدرة المملكة على احترام المعايير الصحية والبيطرية الأكثر صرامة في العالم.

واعتبرت منظمة COAG الزراعية الإسبانية أن الاتحاد الأوروبي “يُغرق السوق بمنتوجات منخفضة الجودة”، متهمة القطاع الداجني المغربي باستعمال مضادات حيوية محظورة أوروبياً وعدم توفر مراقبة صحية صارمة.

لكن الرباط تعتبر هذه الاتهامات قديمة ومتجاوزة، لأن النظام البيطري المغربي خضع خلال السنوات الأخيرة لعمليات تحديث واسعة، تشمل تتبع سلسلة الإنتاج، ومراقبة الأعلاف، والرفع من مستوى مختبرات التحليل.

وتُذكّر مصادر مهنية مغربية بأن المنتجات الزراعية المغربية، التي تغزو منذ سنوات أسواق فرنسا وهولندا وبلجيكا، لا يمكن أن تلج الاتحاد الأوروبي من دون المرور عبر مسار مراقبة متعدد المراحل لا يقبل أي هامش خطأ.

ورغم ارتفاع أصوات الاحتجاج في مدريد، يرى محللون إسبان أنفسهم أن الأزمة أعمق من المنافسة المغربية. فالقطاع يعيش منذ سنوات ضغطاً هائلاً نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة بنسبة 150%، وارتفاع أسعار الأعلاف بـ35%، وكلفة إنتاج لم تعد تغطيها الأسعار التي يحصل عليها المربون، إذ لا يتجاوز نصيبهم 0,15 يورو عن كل كيلوغرام من الدجاج، بينما يدفع المستهلك 3,25 يورو.

وبينما تتهم النقابات الفلاحية الإسبانية بروكسيل بالتخلي عن المزارع الصغيرة لصالح كبار المنتجين، تشير تقارير اقتصادية إلى أن دخول الدواجن المغربية لن يكون السبب الرئيسي في تراجع الربحية، بل سيكشف فقط هشاشة قطاع يعيش اختلالات هيكلية منذ سنوات.

وبالنسبة للمغرب، يشكل هذا القرار الأوروبي قفزة استراتيجية ستفتح سوقاً تضم أكثر من 450 مليون مستهلك. ويأتي هذا التطور في سياق دينامية إنتاجية يعرفها قطاع الدواجن المغربي خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع الإنتاج الوطني، وتطورت معايير السلامة الغذائية، وتنوعت وجهات التصدير نحو إفريقيا والخليج.

ويرى باحثون في الاقتصاد الزراعي أن دخول لحوم الدواجن المغربية إلى أوروبا يشكل اعترافاً دولياً بجودة السلسلة الإنتاجية الوطنية، ويمنح المملكة موقعاً تنافسياً يعزز حضورها في سوق عرف تاريخياً هيمنة المنتجين الأوروبيين.

ورغم الفرص الكبيرة، لا يخلو الأمر من تحديات. فولوج السوق الأوروبية يعني التزاماً صارماً بالمعايير، واحتراماً لتتبع دقيق للمنتوج من المزرعة إلى المائدة. لكن وزارة الفلاحة المغربية والفاعلين المهنيين يعتبرون أن هذه الشروط تمثل فرصة لتسريع تحديث القطاع وتعزيز بنيته التنظيمية.

كما يرى خبراء أن نجاح المغرب لن يعتمد على القدرة الإنتاجية فقط، بل على مواصلة الاستثمار في المختبرات، وتطوير سلاسل التوزيع، وتحسين القدرة التنافسية في مواجهة لوبيات فلاحية أوروبية قوية.

وتكشف هذه الأزمة عن تحول عميق في الخريطة الزراعية للمتوسط:من جهة، المغرب الذي يواصل توسيع نفوذه في الأسواق الأوروبية بفضل منتجات ذات تنافسية عالية.

ومن جهة أخرى، إسبانيا التي تجد نفسها أمام واقع جديد يفرض إعادة التفكير في نموذجها الإنتاجي وتعزيز قدرتها على مواجهة شريك تجاري أصبح منافساً اقتصادياً أيضاً.

وبين ضغوط الحقول الإسبانية ورهانات الرباط على اختراق أسواق جديدة، يظل المؤكد أن القرار الأوروبي ليس مجرد خطوة تجارية، بل عنوان مرحلة جديدة تتغير فيها موازين القوى الغذائية جنوباً وشمالاً.

Share
  • Link copied
المقال التالي