Share
  • Link copied

“أفروبارومتر”: ثقة متزايدة في القضاء المغربي تقابلها صعوبات مستمرة في الولوج إلى العدالة

رغم تصاعد منسوب الثقة في القضاء المغربي خلال السنوات الأخيرة، لا يزال الولوج الفعلي إلى العدالة يشكل تحدياً حقيقياً لفئات واسعة من المواطنين، خاصة الفئات الهشة، وفق ما كشفه تقرير حديث صادر عن “أفروبارومتر” حول الوصول إلى العدالة في المغرب.

ويرسم التقرير، الذي استند إلى معطيات الجولة العاشرة من استطلاعات الرأي، صورة مزدوجة للمشهد القضائي: من جهة، أغلبية المغاربة تعتقد أن “المواطن العادي” يمكنه إنصاف نفسه أمام المحاكم.

ومن جهة أخرى، يعبر عدد كبير منهم عن شكوكهم في قدرتهم الشخصية على تحمل كلفة اللجوء إلى القضاء أو الاستفادة من خدمات المساعدة القانونية.

ومنذ اعتماد دستور 2011، الذي كرس الحق في الولوج إلى العدالة دون تمييز، أطلق المغرب ورشاً إصلاحياً واسعاً توج بميثاق إصلاح منظومة العدالة سنة 2013، واضعاً في صلب أولوياته تعزيز استقلال القضاء، محاربة الفساد، وحماية حقوق الإنسان.

وتعزز هذا المسار أخيراً ببرنامج “MA-JUST” (2024-2027)، المنجز بدعم من الاتحاد الأوروبي ومجلس أوروبا، والذي يراهن على تحديث العدالة عبر الرقمنة، تحسين ولوج المواطنين إلى المعلومة القانونية، وتطوير خدمات المساعدة القضائية، مع تركيز خاص على الفئات الهشة.

وتعكس نتائج الاستطلاع بعض ثمار هذه الإصلاحات، إذ سجل التقرير ارتفاعاً ملحوظاً في مستوى الثقة بالمحاكم وتراجعاً في إدراك الفساد داخلها، كما أكد أغلب المستجوبين أن القضاة يتعاملون مع المتقاضين على قدم المساواة، وأن التدخل السياسي في الأحكام القضائية يبقى محدوداً.

غير أن هذا التحسن في الصورة العامة لا يخفي اختلالات بنيوية ما تزال تعيق تحقيق “العدالة للجميع”. فعدد كبير من المواطنين صرحوا بأنهم لا يملكون الإمكانيات المادية لرفع قضايا أمام المحاكم، بينما أقر آخرون بجهلهم بوجود خدمات للمساعدة القانونية داخل مناطقهم.

وتبرز هنا المفارقة الأساسية التي يسجلها التقرير: الثقة في المؤسسة القضائية آخذة في الارتفاع، لكن القدرة العملية على الولوج إليها لا تزال محدودة، ما يحول العدالة في نظر البعض إلى “حق نظري” أكثر منه ممارسة متاحة.

في المقابل، لا تزال منظمات حقوقية وطنية ودولية تدق ناقوس الخطر بشأن استمرار بعض الممارسات، من بينها خروقات شروط المحاكمة العادلة، الاكتظاظ داخل السجون، وطول فترات الحراسة النظرية.

كما سبق للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن أعربت عن قلقها إزاء مزاعم التعذيب وسوء المعاملة، وهي ملفات تقول منظمات غير حكومية إنها تقوض الثقة الكاملة في منظومة العدالة.

ويأتي ذلك في سياق تصنيف المغرب في المرتبة 92 عالمياً ضمن مؤشر سيادة القانون لسنة 2024، وهو ترتيب يعكس، بحسب التقرير، تقدماً نسبياً لكنه يبرز في الآن ذاته حجم التحديات المتبقية.

ويخلص التقرير إلى أن المغرب قطع أشواطاً مهمة في بناء الثقة في مؤسساته القضائية، غير أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تحسين صورة العدالة، بل في جعلها في متناول الجميع، عبر توسيع نطاق المساعدة القانونية، تخفيف الكلفة، وتقريب القضاء من المواطن.

Share
  • Link copied
المقال التالي